تخطي إلى المحتوى الرئيسي
مدونة اليوم

جمانة حداد: هذه الحياة القاتلة

سمعي
مونت كارلو الدولية
3 دقائق

لا أعرف لماذا تذكرتُ اليوم حادثة مؤلمة من أيام طفولتي، عندما دستُ بلا انتباه، ذات صباح من صباحات ما بعد القصف، على جثة في الشارع بينما كنت مع عائلتي في طريق العودة من الملجأ إلى البيت. ما زلت أرى بوضوح ذلك الوجه المهشم، ذلك الفم المفتوح على صرخة أوقفها الموت في المنتصف، وتينك العينين الغائرتين اللتين تشيعان الوجع واليأس. ما زلت اذكر شعوري أنا بالعار والذنب، لكأنني شريكة في الجريمة لمجرد وجودي هناك في تلك اللحظة، لكأنني شاهدة رغماً عني على ما لا يحتمل.

إعلان

ما زلت أذكر، نعم. والحق يقال انني أذكر لأنني أرفض أن أنسى. فأنا لا أريد أن أعيش في عالم يكون فيه التعثر بجثة على الطريق أمرا "عاديا" وغير جدير بالتذكر مدى الحياة.

 

شاعرة وكاتبة وصحافية لبنانية، مسؤولة عن الصفحة الثقافية في جريدة "النهار" في بيروت. أستاذة في الجامعة اللبنانية - الأميركية وناشطة في مجال حقوق المرأة. أسست مجلة "جسد" الثقافية المتخصصة في آداب الجسد وعلومه وفنونه. أصدرت عشرات الكتب في الشعر والنثر والترجمة وأدب الأطفال لاقت صدى نقدياً واسعاً في لبنان والعالم العربي وتُرجم معظمها إلى لغات أجنبية. نالت جوائز عربية وعالمية عديدة. من آخر إصداراتها "هكذا قتلتُ شهرزاد" و"سوبرمان عربي".

فيس بوك اضغط هنا

تويتر اضغط هنا

لا أريد أن أعيش في عالم يصير فيه قطع الرؤوس خبرا عاديا، وحرق البشر خبرا عاديا، ورجم النساء خبرا عاديا.

لا أريد أن أعيش في عالم بات ناسه عاجزين عن الشعور بالصدمة والفجيعة والتعاطف أمام مشاهد العنف والقتل والبؤس، لفرط ما اعتادوا رؤيتها.

لا أريد أن أعيش في عالم يحولنا فيه تنظيم "الدولة الإسلامية" وسواه من المجرمين والإرهابيين الذين يتكاثرون كالفطر، إلى آلات بلا مشاعر ولا انفعالات، ويدربنا على الفظائع حتى يصبح كل ما عداها استثناء، بدل أن تكون هي الاستثناء.

في اختصار، لا أريد أن أعيش في عالم نصير فيه نحن الأحياء أكثر مواتاً من الموتى، لأننا جُرّدنا مما يجعلنا أهلا للعيش: أعني... إنسانيتنا.
 

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم

الصفحة غير متوفرة

المحتوى الذي تريدون تصفحه لم يعد في الخدمة أو غير متوفر حاليا.