تخطي إلى المحتوى الرئيسي
مدونة اليوم

جمانة حداد :"اتركوا هذا الموت، يلتهمهم بسلام"

سمعي
مونت كارلو الدولية
3 دقائق

ما ان انتشر خبر وفاة الكاتب الأميركي الشاب هاريس ويتلز بجرعة زائدة من الهيرويين قبل ايام، حتى بدأ الرأي العام ينبش قبره ويحاول نكش اسراره. لماذا كان يتعاطى؟ هل كان مريضا؟ هل كان يعيش قصة حب بائسة؟ وهكذا دواليك.

إعلان

شاعرة وكاتبة وصحافية لبنانية، مسؤولة عن الصفحة الثقافية في جريدة "النهار" في بيروت. أستاذة في الجامعة اللبنانية - الأميركية وناشطة في مجال حقوق المرأة. أسست مجلة "جسد" الثقافية المتخصصة في آداب الجسد وعلومه وفنونه. أصدرت عشرات الكتب في الشعر والنثر والترجمة وأدب الأطفال لاقت صدى نقدياً واسعاً في لبنان والعالم العربي وتُرجم معظمها إلى لغات أجنبية. نالت جوائز عربية وعالمية عديدة. من آخر إصداراتها "هكذا قتلتُ شهرزاد" و"سوبرمان عربي".

فيس بوك اضغط هنا

تويتر اضغط هنا

كم اكره هذا السلوك، وكم اشعر انه انتهاك للحرمة. قد يقول قائل، إنه كلما رحل كاتب، أخذ معه سرباً من الأسرار، فأيقظ فينا جوعاً إلى معرفته أكثر. وأعمق: جوع إلى "استنطاق" صمته، وجوع الى تظهير كلماته.

نعم، ولكنْ لا. هاتوا فقط الكتب، استنطقوا الكتب فحسب، أما كاتبوها الموتى فاتركوهم يرقدون بسلام. هم لا يريدون أن يستيقظوا. ولا أن يجلسوا منصتين الى موتنا العابر اليهم.

ليس من سبب، مهما يكن جليلاً، يستدعي إيقاظهم. فلندعهم يرتاحون. لقد أقضّت الحياة مضاجعهم طويلاً أو قصيراً، فلماذا نقضّهم في قبورهم. لماذا ننقض على جثث الكتّاب والفنانين والفلاسفة والمخترعين، ولا نكفّ عن إزعاجهم في مناماتهم الطويلة؟

لا سر يستحق ان نزعجهم. إنهم هناك يحلمون كثيراً وجدّاً. هم يحلمون من أجل أرواحهم وأجسامهم الغائبة. ويحلمون عنا، خصوصاً، ومن أجلنا.

لنرفع أيدينا عن الموتى. هشاشاتهم يجب أن تكون حمايتهم من تطفلاتنا. فلا تخدشوا هشاشاتهم، وإن بعطر وردة.

بعد عمر طويل أو قصير، سأمنح الكثير من اسراري وأفكاري وفرائسي وليمة للموت.

اوصيكم من الآن: اتركوه، هذا الموت، يلتهمني بسلام.

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم

الصفحة غير متوفرة

المحتوى الذي تريدون تصفحه لم يعد في الخدمة أو غير متوفر حاليا.