تخطي إلى المحتوى الرئيسي
مدونة اليوم

عروب صبح: "جلست والخوف بعينيها"

سمعي
مونت كارلو الدولية
4 دقائق

تتأمل ما يحدث عبر الشاشة المربعة وتفكر..كيف ستعتذر غداً لكل هؤلاء! بمن ستبدأ؟ من سيصدقها أصلا؟ شكلها لا يوحي بصدق ما قد تقول ولو حلفت أغلظ الإيمان، وبأي إله ستحلف ومَن قال أن من يسمعها مقتنع بما تؤمن به؟!

إعلان

 

طرق الباب بغلظة وتسمّرت مكانها على المقعد القديم أمام شاشة التلفزيون..

طرق الباب بغلظة وتسمّرت مكانها على المقعد القديم أمام شاشة التلفزيون..

زاد الطرق ولكنها لم تعد تميز بين دقات قلبها ودقات الباب..
اختلط الطرق بالصياح .. : ارهابيوووون ... قتلة... اخرجوا من بلادنا ..
 
كومت نفسها على نفس المقعد وظلت عيونها معلقة على باب غرفة النوم الوحيدة حيث ينام صغارها الثلاثة..تسد أذنيها بيديها الباردتين وهي تتمتم بآيات وأدعية أن لا يصحوا الصغار..
 
انتهت النوبة الأولى من الطرق والشتم ولكنها تعلم أنها لن تكون الأخيرة..
ظلت عيونها متعلقة بالشاشة التي تنتقل ببث هستيري بين الجثث المغطاة وسيارات الإسعاف ثم أغمضت عيونها ولم تعد تعرف أين هي ..أخذ شريط الذكريات يركض داخل رأسها...
 
كانت في بيتها وكان نهارا مكفهرا من شهر أيلول بعد أن اندلعت أعمال العنف التي لم تفهم يوما أسبابها.. ذهب فيه زوجها الى سوق المدينة الصغيرة ليأتي بمونة الأسبوع فلم يعد بإمكانهم أن يبعثوا ابنهم بلال للتسوق خوفا على حياته ..
 
لم يعد أبو بلال منذ ذاك اليوم..ولم تجرؤ أن تخرج للبحث عنه. الأخبار تضاربت عن هجوم على السوق لم يخرج منه أحد حياً.. في نفس المساء سمعوا عن أحداث عنف قد تطال شوارع مدينتهم الصغيرة، فخرجت ليلا مع أطفالها برفقة بعض العائلات وهربوا نحو الحدود.. تركت كل شيء إلا بعض الملابس للصغار.. مشوا ثلاثة أيام بلياليها.. ثم تفرقت العائلات عندما وصلوا للدولة المجاورة..
 
أصبح عندها خيمة وقليل من الطعام اليومي لها ولصغارها.. زارهم في يوم رجل اجتمع مع أهل الخيام ووعدهم بجنة وحل سحري ومستقبل مضمون في مجتمع يقدر الإنسان ويحترم حقوقه.. كانت ما تزال تبحث عن أي أثر لزوجها قبل أن تسافر ولكن لم يكن هناك خبر..
 
ركبوا السفينة وكادت أن تفقد مروة الصغيرة في رحلة الموت عندما ضربتهم موجة عاتية..
 صاحت : أولاااااااادييييييييي ولكن صوتها اختلط بكل صياح الركاب ووحدها العناية الالهية أوصلتهم الى بر الأمان مؤقتا.. تنقلت بعدها حاملة الصغار بين بلدان العالم الأول حتى استقرت في عاصمة النور..
 
مر زمن منذ 26/2/2011 ثم مر زمن منذ تركت بيتها في أيلول 2013 ... استقرت وصغارها بعد أن وجدت بعض بني أصلها ممن قدموا لها المساعدة فبلال وعبد الله دخلوا المدرسة ومروة ترافقها الى عملها اليومي في مدرسة للاجئين ..وبقيت تبحث عن أي أثر لزوجها بلا جدوى..
 
بدأ الطرق الهستيري أول مرة يوم 8/يناير/2015 (يوم شارلي ايبدو) 
عاد الطرق من جديد.. صحت من ذكرياتها..قامت بسرعة .. فتحت الباب
وصرخت من أعماق قلبها: أنا مثلكم ضحية.
عروب صبح

 

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم

الصفحة غير متوفرة

المحتوى الذي تريدون تصفحه لم يعد في الخدمة أو غير متوفر حاليا.