مدونة اليوم

غادة عبد العال: " امرأتان في المترو"

سمعي
مونت كارلو الدولية

من باب عربة السيدات في المترو دخلت امرأتان ، إحداهما يبدو عليها ضيق الحال واضحا ، شبشب رخيص في قدميها، جلباب أسود متسخ بالأتربة، ترتدي فوق وجهها ملامح البؤس و الحاجة و تمد كف يدها متثاقلة الخطي بين الجالسات، أما الأخرى فترتدي ملابس فقيرة و إن كانت مهندمة و نظيفة، تحمل بيدها كيس كبير من الرفائع الحريمية المعتادة ، "بنس، دبابيس، شرابات، بوك للفضة، خاتم التسبيح " رافعة صوتها عشان يوصل لآخر العربية و ما تضطرش تمشي بالكيس الكبير و بطفل بالكاد أكمل العام الأول تحمله علي ذراعها و طفل تاني في نحو السادسة يقف بجوار أمه محاولا مساعدتها برفع فرشاة أسنان أو لفت نظرها لزبونة محتملة عايزة تتفرج.

إعلان

 

ملامح الشقا كانت ترتسم على الوجهين، لكن واحدة كانت بتحاول مداراتها و التانية كانت بتبرزها وتفخمها فهي مصدر أكل عيشها اللي أتى ثماره فورا، ففي لحظات كانت المتسولة قد انهمرت عليها الحسنات من كل مكان في العربة، مع خشوع كامل مرسوم على وش كل واحدة بتقوم تديها اللي فيه النصيب، بينما الثانية اتنبح صوتها و ماحدش عبرها إلا واحدة أو اتنين، وببطء جرّت كيسها و نزلت بحملها الثقيل من العربة بينما كانت الأخرى لا تزال تجمع ثمار عرض بؤسها!

مدونة وكاتبة مصرية ساخرة تمارس مهنة الصيدلة. بدأت مدونتها "عايزة اتجوز" عام 2006 قبل أن تنشر في كتاب عام 2009 تُرجم إلى لغات عدة عالمية منها الفرنسية وعرض في مسلسل حصل على الجائزة الفضية في مهرجان الإعلام العربي وحصلت عنه عبد العال على جائزة أحسن سيناريو. تكتب منذ 2009 مقالاً ثابتاً في الصحافة المصرية.

فيس بوك اضغط هنا

يمكن ماعنديش تأكيد بنسبة ١٠٠٪ إن الست المتسولة نصابة، لكن قلبي يحدثني إن الواحد لما يكون في موقف زي ده و فيه في جيبه جنيه زائد عن حاجته، المفروض إنه بدل ما يساعد واحدة ما بتحاولش تساعد نفسها حتى بعلبتين مناديل تبيعهم و تسترزق منهم، يساعد واحدة بتحاول تكسب أكل عيشها بالعمل و بالحلال.

لكن المشكلة عند جموع الناس اللي عايشين حوالينا في هذا الجزء الحولان من العالم، هي إن معظمهم ما بيبصوش أصلا لحاجات الآخرين، ما بيتصدقوش بمنطق المساعدة، لكن بمنطق الأنانية ، البعض مثلا متخيل إن الشرا من أم الأطفال اللي هيساعدها تنيمهم الليلة و هم متعشيين هينقص من ثوابهم لأنهم كشارين هيستفيدوا باللي اشتروه ، لكن التانية هتكسبهم ثواب أكبر حتي لو كانت نصابة لأنهم مش مستنيين من وراها مصلحة، و تروح الاتنين ستات بعد كده في داهية مايلزموهومش !

مثال آخر فادح هو اللي بيحصل مع الأيتام ، و لأن فيه حديث ما عن إن الماسح على رأس يتيم له بكل شعره في رأس اليتيم حسنة، تجد جموع المواطنين وخاصة فيما يسمى بيوم اليتيم نازلين هري في دماغ العيال لما يتسببوا في إصابتهم بالصلع ، طب حد يفكر إن المسح على راس اليتيم ده تعبير رمزي بيرمز لأن الماسح ده يرفق باليتيم و يعامله كويس و يعوضه عن حنان أمه و أبوه ، لا يا ريس، ما تدخلناش في تفاصيل ، شوف الواد اللي هناك ده؟ .. آه ده يتيم .. هاته .. هاته لما نهري راسه مسح وبعدين نسيبه و نمشي!

و هكذا، نتفنن كلنا في مسك الدين من ديله، متخيلين جميعا إننا بنمون حسنات زي ما بنمون بنزين كده، و إن تعاليم الدين من السطحية والتفاهة حتى تتجاوز الإنسانية و التكافل والحب والخير والجمال إلى مجرد تعليمات مصلحة حكومية بتمضي موظفينها حضور و انصراف، بدون النظر لجودة أعمالهم أو قيمتها أو إحساسهم ب أو تأثيرهم في زملاؤهم من الأرواح المعذبة!
و عجبي!

غادة عبد العال

 

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم