تخطي إلى المحتوى الرئيسي
مدونة اليوم

غادة عبد العال: "منتهى الملل"

سمعي
مونت كارلو الدولية

في العام ٢٠١٠ كنت في زيارة لهولندا مع عدد من المدونين المصريين في إطار ما يسمى ببرامج التبادل الثقافي بين الدول، قابلنا على مدار خمسة أيام العديد من المدونين والكتاب والصحفيين. أخبرني أحدهم في أحد الاجتماعات المشتركة أنه يشعر بالتعاسة لكونه يعمل بمهنة الصحافة في بلد مملة كهولندا، وأنه يحسدنا جميعا على كوننا نعيش في دول مليئة بالأحداث المثيرة مما يستدعي أن صحافتنا وجرائدنا وحياتنا بشكل عام لا يمسها أبدا الملل.

إعلان

 

بعدها بشهور قليلة كانت "فرة" الثورات في المنطقة، واعتصام ورا اعتصام، ومظاهرة في ضهر مظاهرة، وضحايا بيتبعوا ضحايا، حتى أصبحت المنطقة مثيرة أكتر مما نحتمل الحقيقة، ومن يومها وحتى الآن لم تتوقف الانبهارات.

مدونة وكاتبة مصرية ساخرة تمارس مهنة الصيدلة. بدأت مدونتها "عايزة اتجوز" عام 2006 قبل أن تنشر في كتاب عام 2009 تُرجم إلى لغات عدة عالمية منها الفرنسية وعرض في مسلسل حصل على الجائزة الفضية في مهرجان الإعلام العربي وحصلت عنه عبد العال على جائزة أحسن سيناريو. تكتب منذ 2009 مقالاً ثابتاً في الصحافة المصرية.

فيس بوك اضغط هنا

لكن في الحقيقة وإن كانت منطقتنا المثيرة دايما ترقص على صفيح ساخن ويبدو دايما إنها مليئة بالأحداث، فأنا والكتير زيي أظن على استعداد لتبادل الأدوار في أقل من ثانية مع الصحفي الهولندي الملول اللي لا يقدر نعمة الحياة المملة في وطن مبهج عادل منظم نظيف، ويتمنى أن يتحول بلده لهذا السيرك القومي اللي بنعيشه كل يوم!

هذه النظرة السطحية لمنطقة بتغلي دماء أصحابها وبتراق بكل الطرق الممكنة، كانت تبدو لي وقتها مثيرة للضحك لكنها الآن فعلا مثيرة للأعصاب، مش بس لاستهانة صاحبها بأرواح البشر ورغبتهم المنطقية في العيش في استقرار لكن لخطأها البالغ في النظر لحياة مثل تلك وكأنها مش حياة مملة! بل هي منتهى الملل يا صديقي، بل هي أكثر أنواع الحيوات مللا على الإطلاق!

هذا الأسبوع مثلا استيقظنا على حادث مأساوي إجرامي بشع، تسبب في استشهاد أكتر من عشرين مصري معظمهم سيدات وأطفال على أثر وضع قنبلة في كنيسة. الحادث بشع وإجرامي ويهز القلوب قبل الأبدان لكنه مكرر، مش أول حادث بالشكل ده ولا هيكون آخر حادث للأسف، لأننا شعوب تعشق حكوماتها ارتكاب نفس الأخطاء اللي بتؤدي لنفس الكوارث، وعمرها ما بتاخد بالها من نفس المقدمات اللي بتؤدي لنفس النتايج، ولا تطمح أبدا لتتبع أصول المشكلات ومحاولة نزع جذورها، بتستمتع أكتر بترديد العبارات الكليشيهية وترديد الهتافات الحنجورية والصرف على إنتاج الأغاني والأوبريتات.

ومش بس الحكومات، إحنا كشعوب برضه بندور في نفس دواير الملل المحيطة بكل حادثة، كل مرة نفس الدايرة بنفس التفاصيل، بين مجموعات بتنفي أصلا وجود طائفية أو عنصرية، لخناقات جانبية عن مين من الضحايا يجوز عليه الرحمة أو مين يستحق لقب شهيد، لمحاولات مستميتة للدفاع عن الفشل الإداري سواء على المستوى الأمني أو فن إدارة الأزمات، لتغيير صور بروفايلاتنا، للذهاب لمكان الحادث بالورود ، لنشر نفس الأوبريتات اللي بتراها الحكومة حل لكل الأزمات! أصل معقولة يعني يبقي فيه مشكلة في بلد بيتمتع مسلميها ومسيحييها بأغاني الأستاذ مصطفى كامل سوا؟ بالطبع لا!

أنا مش فاكرة تحديدا اسم الصحفي الهولندي اللي قابلته من حوالي ٧ سنوات، لكن لو قابلته النهاردة هاقوله ما تزعلش قوي على حالة الملل اللي انت عايشها في بلدكم وما تتخيلش إنك لو جيت هنا هتبقي الحياة مليانة إثارة وتشويق ومتعة، هي هي نفس الحياة الروتينية المملة، لكنها هنا بتدور على خلفية من موسيقى الفشل الذريع المصاحبة لروائح البارود وألوان الدماء.

غادة عبد العال

هذه الصفحة غير متوفرة

يبدو أن خطأ قد وقع من قبلنا يمنع الوصول إلى الصفحة. نعمل على حل هذه المشكلة في أقرب وقت ممكن