مدونة اليوم

غادة عبد العال: "فن الصدقات"

سمعي
مونت كارلو الدولية

يدخر كل من أعرفهم كل أموال زكاته ليخرجها خلال أيام شهر رمضان، لاعتقاد الجميع إن بما إن الثواب مضاعف في رمضان فنطلع كل الصدقات وقتها بأه، وناخد ثواب سوبر بدل الثواب المعتاد.

إعلان

 

وهو فهم قاصر لهدف الصدقات من كونها مصدر للتكافل بين أفراد المجتمع اللي بالتأكيد فقراؤه ما بياكلوش ويشربوا ويتعالجوا في رمضان بس وإنما بيحتاجوا دعم طوال أيام العام، وفهم قاصر لمن فرض الزكاة والصدقات وهو الله عز وجل وكأنه -حاشى لله -قد عين موظفين حسابات بيروقراطيين يلتزمون بالقانون بحذافيره دون النظر للهدف منه أو حكمته أو لروح القانون!

مدونة وكاتبة مصرية ساخرة تمارس مهنة الصيدلة. بدأت مدونتها "عايزة اتجوز" عام 2006 قبل أن تنشر في كتاب عام 2009 تُرجم إلى لغات عدة عالمية منها الفرنسية وعرض في مسلسل حصل على الجائزة الفضية في مهرجان الإعلام العربي وحصلت عنه عبد العال على جائزة أحسن سيناريو. تكتب منذ 2009 مقالاً ثابتاً في الصحافة المصرية.

فيس بوك اضغط هنا

لكن هذا هو الحال، وماحدش بيحاول يصحح هذه الفكرة الخاطئة والكل استمراها وساق فيها وتعامل معاها كأمر واقع، وعشان كده بنلاقي رمضان هو الوقت المستهدف اللي بتتهاوى فيها على رؤوسنا دعوات الجمعيات الخيرية والمستشفيات للفوز بتبرعات الراغبين بالثواب العظيم!

تتربص بالمواطن الكافي خيره شره طول العام إعلانات التبرعات في شهر رمضان لتستقر رصاصاتها في مقتل ولا أجدعها قناص، فتلاقي نفسك يا دوب بتحط لقمة في بقك تلاقي في وشك إعلان بيقولك :انت ما تعرفش ان فيه ناس جعانة، مش هتقوم تتبرعلهم بأه والا انت من فصيلة الجبلات؟!

تقفي لتطالعي وجهك في المراية فيلقي ليكي التليفزيون بإعلان يقولك: فزي قومي اتبرعي لمستشفى علاج سرطان الثدي أصل الدور جاي عليكي جاي عليكي فلايميها واتبرعي أحسنلك عشان يوم ما تشرفينا في المستشفى تلاقي حد يعبرك يا بنت الحلال!

إعلانات عن مستشفى سرطان لازم يكون بطلها طفل حقيقي بيعاني من السرطان، إعلان عن مبادرة لتسديد ديون الغارمات لازم يجيبوا فيه غارمة محبوسة ولا عزاء للفضيحة اللي هتطولها، إعلان عن جمعية مهتمة بتوصيل مياه الشرب النظيفة للمناطق المحرومة من الخدمات بيجيبوا فيها ست وبناتها بيشربوا ماية ملوثة خضراء اللون، وبعد ما يخلص الإعلان يلم فريق تصوير الإعلان كاميراتهم ويروحوا ولا تزال الست إلى لحظتنا هذه بتشرب ماية ملوثة، إذ إن الهدف مش إنقاذها من واقع مرير وإنما الحصول على آلاف ويمكن ملايين من أموال التبرعات!

على الجانب الآخر نشر صديق لي إعلان نرويجي يدعو للتبرعات، ولد في مدرسته النظيفة الجميلة في فترة الاستراحة وتناول الطعام، الولد بيحرك صندوق الأكل بتاعه عشان يعرف فيه أكل والا لأ فبيلاقيه فاضي دليل على إن عيلته في أزمة ومابعتوش معاه أكل، بيستأذن من مدرسته عشان يروح يشرب وبيخرج بره الفصل يحاول يضيع وقت على ما زمايله يخلصوا أكلهم عشان ما يتحرجش قدامهم!

بيرجع بعد شوية وبيقعد وبيمسك اللانش بوكس بتاعه فبيحس انه مليان، بيفتحه بيلاقي فيه ساندوتشات وفاكهة وبنشوف عن طريق لقطات الكاميرا السريعة ان زمايله كل واحد فيهم اتبرعله بجزء من أكله، وبياكل الطفل في سعادة بدون أي إحساس بالحزن ولا بالإحراج في ظل ابتسامات أصحابه اللي بيتجنبوا يبصوا له عشان ما يحرجوهوش!

بس يا سيدي، وادي مثال لإعلان تضامني يحض على التكافل من غير موسيقى حزينة من غير شحتفة من غير نظرات عيون طفل حائرة، من غير دموعه، من غير ابتزاز عاطفي وديني، من غير استخدام حالات حقيقية نضغط على جروحهم ونفتحها وما يهمناش آلامهم طالما هنصور بيهم إعلان!

وهو ده اللي باسميه إنسانية، أو بالمنطق بتاعنا، فن طلب الصدقات والدعوة للتكافل في إطار من مراعاة قواعد إنسانية، إحنا لسه بعيد قوي عن إدراك معناها أو تطبيقه للأسف الشديد.
غادة عبد العال

 

 

هذه الصفحة غير متوفرة

يبدو أن خطأ قد وقع من قبلنا يمنع الوصول إلى الصفحة. نعمل على حل هذه المشكلة في أقرب وقت ممكن