مدونة اليوم

غادة عبد العال: "حريات"

سمعي
مونت كارلو الدولية

أعيش في بلد قديمة قدم التاريخ ولها باع قديم في تطبيق الديمقراطية والديكتاتورية على التوالي والتوازي، إلا أن شبابها اللي اتربى في مناخ يحرم فيه الكلام في السياسة تحريم كلام الراقصة صافيناز في الفقه المعاصر، فتحوا عيونهم بعد الثورة المصرية الذبيحة عشان يتفاجأوا إنهم مش كلهم كتلة واحدة وإنما عدد من الأحزاب والجماعات والكتل.

إعلان

منهم من اعترض وابتأس وحس إن فيه حاجة غلط وإن كلنا لازم نبقى شبه بعض وبالتالي رفض كل أنواع الاختلاف، بينما البعض الآخر أحس إنه لازم يدافع عن الاختلاف ولازم يحترم المختلفين لأن اختلاف الألوان والأشكال هو اللي بيخلق صورة جميلة في النهاية تستوعب كل أطياف المجتمع!

مدونة وكاتبة مصرية ساخرة تمارس مهنة الصيدلة. بدأت مدونتها "عايزة اتجوز" عام 2006 قبل أن تنشر في كتاب عام 2009 تُرجم إلى لغات عدة عالمية منها الفرنسية وعرض في مسلسل حصل على الجائزة الفضية في مهرجان الإعلام العربي وحصلت عنه عبد العال على جائزة أحسن سيناريو. تكتب منذ 2009 مقالاً ثابتاً في الصحافة المصرية.

فيس بوك اضغط هنا

دارت بين هاتين المجموعتين مؤخرا معركة حامية الوطيس بين المتضامنات مع البنات المنتقبات اللي تعرضوا لخطر منعهم من دخول الجامعة الأمريكية بالقاهرة لمتابعة دروسهم، وبين الطرف الآخر المعترض على هذا التضامن اللي من ضمن أفراده و ياللعجب المنتقبات نفسهم!

كان من آراء المعترضين على حملة التضامن اللي ارتدت فيها بنات غير محجبات أو محجبات لكن غير منتقبات النقاب للتضامن مع زميلاتهن إن الوضع لو معكوس وتم منع دخول غير المنتقبات لمكان ما، فالمنتقبات كانوا عمرهم ما هيتضامنوا مع المضطهدات.

فيبقي ليه التضامن مع مجموعة عمرها ما هتضامن معاك لو حقك اتخطف؟ وتأكد كلامهم في الوقت نفسه باعتراضات واسعة من المنتقبات أنفسهن اللي شافوا إن حملة التضامن ما احترمتش النقاب كفاية لأن البنات المتضامنات ارتدوه على جينز أو شورت أو لبس عادي لا يليق – من وجهة نظر المنقبات- بالنقاب ولا بمرتدياته.

الموضوع طبعا يصعب شرحه في مجتمع لم يعتد إنه يري الطرف الآخر، فما بالك برؤية التضامن معه أو دعمه، فخليني أقول ببساطة اللي أنا فاهماه عن فكرة التضامن مع أصحاب الحقوق المهدرة أو المطالبة بحريات لأناس تم منعهم من ممارسة حرياتهم بدعوى اختلافهم عن الأغلبية الساحقة!

فكرة انك أتضامن بس مع  الناس اللي خلفياتهم زي خلفيتك أو بينكم أرضية عقلية مشتركة، أو الناس اللي إنت فاهم ومقتنع باللي هم بيعملوه وضروري يكونوا هم كمان فاهمينك ومقتنعين وبيحترموا قناعاتك كلها، كل ده هيخليك تتضامن بس مع الناس اللي شبهك، وده كلام ما لوش أي علاقة بالدفاع عن الحريات!

الدفاع عن الحريات بيعني ضمنيا انك تدافع عن ناس وجهة نظرهم في الحياة عكس وجهة نظرك تماما، ناس ليهم مرجعيات انت مختلف معاها كليا، وإلا يبقى إيه هي "الحرية" و "الحريات" اللي انت بتتكلم عنها دي بالظبط؟!

أما كون المختلفين مهدورين الحقوق بالتأكيد مش هيتضامنوا معاك وقت لما تحتاجهم، فانت أولا وأخيرا بتتصرف بناءا على مبادئك، مش عامل جمعية مع اللي هتضامن معاهم وكل واحد فيكم هيقبضها شهر!

انت مبدأك بيتلخص في إن مش من حق حد يتعنصر على حد أو ينكر عليه حقه فقط لأنه مختلف، ففي حالة ان تضامنك مع الحريات أصبح انتقائي تبقى فرقت إيه عن اللي بتقف في وشهم؟!

مثالية فارغة وسذاجة متناهية؟

لأ مش بالضرورة، لأن التضامن مع الحريات ده جزء من مبادىء الشخص اللي بيعتبر نفسه إصلاحي ، لكن فيه كمان دوره التوعوي  ودوره في محاربة الفكر اللي شايفه مش في صالح المجتمع.

وهنا لازم نفرق بين الفكر والأفراد المؤمنين بالفكر، وأنا عارفه إن دي حاجة صعبة جدا ومستبعدة تماما من العقل الجمعي شرق الأوسطي!

حتى لو كان الفكر اللي بيعتنقه مجموعة من الأشخاص هيبقى على قلبه زي العسل لو انا اللي اتعرضت للاضطهاد أو بيهدف أساسا للإضرار بيا، فأنا واجب عليا إني أحارب الفكر بالفكر، ولا أحارب الأفراد مالم يمسني منهم أذى مباشر!

هذا هو ما أؤمن بيه ورغم إني باعاني مع نفسي أولا في التزامي بالمبادىء دي، لكني هافضل طول عمري أحاول إني ألتزم بيها.

غادة عبد العال

هذه الصفحة غير متوفرة

يبدو أن خطأ قد وقع من قبلنا يمنع الوصول إلى الصفحة. نعمل على حل هذه المشكلة في أقرب وقت ممكن