تخطي إلى المحتوى الرئيسي
مدونة اليوم

غادة عبد العال: "القوة الناعمة"

سمعي
مونت كارلو الدولية

في كل سنة وفي أواخر شهر يناير تحديدا، يقام في مصر حدث ثقافي يختلف عن أي حدث آخر يقام في مصر وعن أي حدث مماثل في دول عربية أخرى ألا وهو: معرض القاهرة الدولي للكتاب!

إعلان

على الرغم من الوضع الاقتصادي الكارثي والوضع السياسي غير المفهوم في البلد، لسه الوضع الثقافي في أسوأ الأحوال يترنح، إذ لا تزال صفوف الشباب بتلتف حول بوابات المعرض وإن تناقص عددهم عن زمان بنسبة بتتناسب طرديا مع مقدار ركوع الجنيه المصري أمام الدولار!

مدونة وكاتبة مصرية ساخرة تمارس مهنة الصيدلة. بدأت مدونتها "عايزة اتجوز" عام 2006 قبل أن تنشر في كتاب عام 2009 تُرجم إلى لغات عدة عالمية منها الفرنسية وعرض في مسلسل حصل على الجائزة الفضية في مهرجان الإعلام العربي وحصلت عنه عبد العال على جائزة أحسن سيناريو. تكتب منذ 2009 مقالاً ثابتاً في الصحافة المصرية.

فيس بوك اضغط هنا

وكل ده بيحدث تحت شعار كبير احتل واجهة المعرض صارخا: "القوة الناعمة .. كيف؟!" و كأنها محاولات مستميتة للتمسك بأهداب زمن الثقافة والفن الذهبي المصري اللي تضاءل تأثيره إلى حين،

زمن كان بينطلق فيه صوت أم كلثوم خارج من راديوهات العرب من المحيط للخليج كل خميس، وفي نفس الوقت تعلو أصوات صديق المنشاوي وعبد الباسط عبد الصمد بالقرآن، زمن كانت أفلام رشدي أباظه وعمر الشريف وفاتن حمامة وسعاد حسني هي الباترون اللي بتتفصل عليه حكايات الحب العربية تحت السماوات العربية أيا كانت،

زمن كانت كلمات محفوظ وحكم العقاد ومشاكسات طه حسين وسخرية توفيق الحكيم تدور داخل دماغ كل مثقف عربي وتجري على لسانه في سلاسة ويسر وقت ما كانت الكتب بتكتب في القاهرة وتطبع في بيروت وتقرأ في بغداد!

دي كانت أدوات القوة الناعمة اللي كانت هي عماد مكانة أم الدنيا في وسط أشقائها، واللي كانت بتخلي أي فرد من شعبها يقابل في أي مكان في العالم بيقيم فيه عرب بالترحاب!
لكن مع الوقت خفتت تلك القوة، وتضاءلت حتى كادت أن تختفي!
وكونت طريقة اختفاءها صورة واضحة لما لا يجب فعله إذا كنت عايز تبقي على مكانتك الثقافية في مكان مرموق أو حتى مقبول!

في البدء كان إصابة مصر بوباء نداءات القومية العربية اللي كانت تدعو للانصهار في بوتقة واحدة بدلا من الاتحاد مع الاحتفاء بالاختلافات الثقافية بين الدول وتكاملها، و بالتالي دعى البعض للتخلي عن اللهجة والهوية الثقافية في سبيل دعوة ساذجة للانصهار.

ثم بدأت مواسم التناحر والمؤامرات بين العرب وبعضهم وانساق الواقع الثقافي المصري وراء موضة انتقال كل تلك المناحرات من أروقة السياسة إلى ميادين الثقافة فأصبح الفيلم و الكتاب و المطرب و الأغنية يتم الترحيب أو عدم الترحيب بيهم على حسب جنسية مؤديهم و هو السحر اللي انقلب ع الساحر وقت مقاطعة الدول العربية لمصر لعدم رضائهم عن سياسات السادات!

أما ضربات محاولة "أسلمة" الواقع الثقافي والفني بمفهوم جماعات الإسلام السياسي، فكدماتها لسه واضحة لحد دلوقتي على وجه الثقافة المصرية بكل مجالاتها.

وهكذا نقدر نلخص اللي حصل بإن الخلط غير الحكيم للسياسة الدنيئة مع الثقافة البريئة هو ما تسبب في تقويض قوة مصر الناعمة واللي سابنا حاطين إيدينا على خدنا واحنا بننادي، قوة ناعمة تايهة يا ولاد الحلال!

ورغم تحيزي الفطري وبالتالي حزني الواضح على ما آلت إليه الأحوال، لكن خلينا نعتبر اللي حصل للثقافة المصرية وسيطرتها السابقة على الأجواء العربية درس لكل ثقافة أخرى بتطمح لتحتل أو خلينا نقول تقتدي بمكانة مصر السابقة ولو بعد حين!

احذروا من خلط الثقافة بالسياسة يا جماعة، واحذروا من الانسياق الساذج ورا مصطلحات رنانة ليس لها معنى ولا طعم، واحذروا من دعوات ظاهرها التدين وباطنها ألاعيب سياسية لا أكثر ولا أقل، فالتفرد الثقافي لكل بلد هي نعمة ما بيتعرفش قيمتها غير بعد فوات الأوان، وتسامي المثقفين عن قذارات السياسة وألاعيبها هو سفينة النجاة لكل وسط ثقافي يطمح للاستمرار على حياده ونقاؤه وصدقه وتأثيره وتثبيت أقدامه بين الآخرين!

غادة عبد العال

الصفحة غير متوفرة

المحتوى الذي تريدون تصفحه لم يعد في الخدمة أو غير متوفر حاليا.