تخطي إلى المحتوى الرئيسي
مدونة اليوم

غادة عبد العال: "موسم هجرة الآباء"

سمعي
مونت كارلو الدولية

في البدء كان فيديو قصير لا يتعدى طوله ٢٠ ثانية، نرى فيه بنوتة في نحو السادسة أو يمكن أقل شوية بتشب بكل ما فيها من طول فوق حاجز حديدي في مطار ما، وشها غرقان بالدموع و صوتها يقطعه نحيب ليس له قرار، بتحاول تعلي صوتها على أد ما تقدر عشان تنادي على أبوها اللي بيخلص إجراءات صعوده للطائرة و هي بتقوله: “ قول للشغل بنتي الصغيرة زعلانة"!الفيديو اختار له اللي رفعه و هو في الغالب من أفراد العائلة عنوان:”ملعون أبو الغربة"! و تعليقات كل من شافه بعد انتشاره انتشار النار في الهشيم تدل على إنهم سكبوا الدموع الغزيرة فور الانتهاء من رؤيته!

إعلان

الفيديو ما كانش بيرصد ظاهرة أو مشهد استثنائي، أي حد عاصر أو عرف حد عاصرمشهد رجوع أب من أجازته السنوية لعمله في الخارج، بعد شهر أو شهر و نصف من شعور أبنائه باكتمال عيلتهم اللي دايما فيها ضلع ناقص، و سعادتهم الطاغية بوجود نموذج أب طال انتظارهم لحنانه و تفاهمه و حبه، بيتسحب منهم كل ده تاني في لحظة و يرجعوا لحضن مرارة اليتم المقنع، جيلي بالكامل لسه بيعاني مشاكل نفسية من جراء موسم هجرة الآباء السنوي كل عام!

مدونة وكاتبة مصرية ساخرة تمارس مهنة الصيدلة. بدأت مدونتها "عايزة اتجوز" عام 2006 قبل أن تنشر في كتاب عام 2009 تُرجم إلى لغات عدة عالمية منها الفرنسية وعرض في مسلسل حصل على الجائزة الفضية في مهرجان الإعلام العربي وحصلت عنه عبد العال على جائزة أحسن سيناريو. تكتب منذ 2009 مقالاً ثابتاً في الصحافة المصرية.

فيس بوك اضغط هنا

و على الرغم موجة الذكريات اللي أكيد ضربت قلوب كتير بعد رؤية المشهد الباكي، ما أثارش الفيديو نقاش مجتمعي و لا حث البعض على تناوله بشكل عقلاني بعيد عن العاطفية و الشحتفة، لم يناقش البعض فكرة تخلي أب عن أبنائه لمدة ١١ شهر في السنة في أمس لحظات حاجتهم إليه و إلى حبه و حنانه و إشرافه و إرشاده، و لا فكرة إنه بيلغي وجوده بالنسبة لهم في فترة غرس القيم و المثل في صالح تأمين مستقبلهم.

كما اصطلح البعض على شرح المبرر، و كما لم يناقش البعض فكرة دور الأب المرجو في أي عائلة بعيدا عن كونه مصدر دخل و ماكنة صرف نقدي إلكتروني تعمل عن بعد، فماحدش ناقش برضه دوره كزوج بيختفي عن زوجته معظم أيام السنة و يسيبها تصارع الوحدة كما تصارع المسؤوليات!

و الأغرب من عدم محاولة فتح مواضيع اجتماعية مؤثرة زي دي، هو الهجوم اللي بيشنه البعض لما حد يحاول يلفت نظرهم لهذه المفاهيم، يبدأ الخناق و الدفاع المستميت و السباب أحيانا صادرا من نماذج عائلية تحتل صدارة الطبقة المتوسطة مبررين هجومهم بإن السفر للعمل في الخارج الآن بعد تدني المستوى الاقتصادي لمعظم العائلات ماعادش رفاهية، و إنهم حتى ما بيسافروش لضمان مستقبل أولادهم، لكن لضمان حاضرهم بس.

فيه ناس كتير منهم اتكلموا عن إن العمل في البلد ما يأكلش ولادهم عيش، و إنهم برضه محرومين منهم غصب عنهم، و هو مبرر يستحق الاحترام طبعا.

لكن مع ذلك أجدني مستغربة للإنكار التام إن الحياة دايما فيها خيارات، فيه خيار الأسرة المرتاحة ماديا، القادرة على مواجهة متطلبات الحياة الاقتصادية، اللي بيساعدها سفر رب الأسرة على ذلك، و فيه خيار تاني لأسرة رأس مالها الدفء و التفاهم و التماسك، يعني في أسوأ الظروف لو كان لابد للأب السفر، هل تنعدم أي فرصة للحاق أسرته بيه؟ و هل لو انعدمت فرص سفر الأسرة أصبح من الواجب تشتتها بس عشان يستمر أفرادها بيفصل بينهم جبال و وديان؟

هل بتحط شعوبنا أي اعتبار لنفسية طفل بيتربى بعيد عن أبوه و أب بيرجع بعد سنين الشغل مايلاقلوش مكان في بيته لأن ولاده اتعودوا يعيشوا من غيره اللهم إلا التحويل بتاع كل شهرين تلاتة؟

كلنا الظروف الاقتصادية هرستنا و بتهرسنا و هتفضل دايما تهرسنا لا مفر، لكن أظن عبور المنحدرات الخطرة اللي دايما بنلاقي نفسنا فيها هيكون أفضل بكتير لو واجهناها جماعة إيدينا في إيدين أهالينا و رؤوسنا على أكتافهم أو وجودنا في ضهرهم لما يدور الزمن دورته و يحتاجولنا، ساعتها هتكون للمشاعر اليد العليا، مش بس للجنيهات و القروش.

غادة عبد العال

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم

الصفحة غير متوفرة

المحتوى الذي تريدون تصفحه لم يعد في الخدمة أو غير متوفر حاليا.