تخطي إلى المحتوى الرئيسي
مدونة اليوم

غادة عبد العال: "في البلاد البعيدة"

مونت كارلو الدولية

في البلاد البعيدة كانت بتعيش بنت صغيرة شقراء ملونة العينين زي كتير من أقرانها، لكن مع عادية شكلها الخارجي كان ما تحمله في قلبها شيء مميز، ريتشيل (و هو إسم البنت الجميلة) كانت من أطفال هذا القرن اللي متاح ليهم بحار و محيطات من المعلومات،

إعلان

جيل أكثر وعيا باللي بيحصل حواليه بسبب الانتشار المذهل لوسائل الإعلام و مواقع التواصل الاجتماعي، و مع كثرة المعلومات و اتساع سماء المعرفة، أطفال الجيل ده كمان بقوا أكثر معرفة بالمعاناة، كلمات زي : الحرب، التهجير، اللاجئين، المجاعة، القحط، العطش، السرطان، دخلت في مفردات أطفال ما كملوش ١٠ سنين، و عشان كده ريتشيل قبل ما تكمل ٩ سنين كانت اتبرعت بشعرها مرتين لمرضى السرطان، و في عيد ميلادها التاسع طلبت من كل أصحابها ما يجيبولهاش هدايا، لكن يقدمولها فلوس عشان  كان أملها تجمع ٣٠٠ دولار لأن دي بالظبط تكلفة حفر بير في أحد الدول الأفريقية هيشرب منه ١٥٠ فرد ماية نضيفة مش متاحة ليهم دلوقت،

مدونة وكاتبة مصرية ساخرة تمارس مهنة الصيدلة. بدأت مدونتها "عايزة اتجوز" عام 2006 قبل أن تنشر في كتاب عام 2009 تُرجم إلى لغات عدة عالمية منها الفرنسية وعرض في مسلسل حصل على الجائزة الفضية في مهرجان الإعلام العربي وحصلت عنه عبد العال على جائزة أحسن سيناريو. تكتب منذ 2009 مقالاً ثابتاً في الصحافة المصرية.

فيس بوك اضغط هنا

أصحاب ريتشيل إستجابوا و اتبرعوا لكن الفلوس ما كملتش و فضلت ريتشيل تفكر إزاي تكملهم، لكن بعد عيد ميلادها بشهر و نص بتشاء الأقدار إن ريتشيل تكون ضحية حادث سير و تتوفى و هي لسه ما شافتش حلمها بيتحقق، لكن لأن أصحابها كانوا عارفين ، بلغوا راعي كنيستها اللي نشر رغبتها الأخيرة في وسائل الإعلام و الكل تعاطف مع رغبتها النبيلة و بدأت التبرعات.

 الـ ٣٠٠ دولار اللي كانت ريتشيل بتتمنى تجمعهم تحولوا ل مليون و ربع من الدولارات، و البير اللي كان نفسها تساهم في تكلفة حفره عشان يستفيد منه ١٥٠ شخص تحول لمجموعة من الإبار بتوفر ماية نضيفة ل ٣٧ ألف شخص في أثيوبيا، و أصبح حلم البنت الرحيمة الواعية اللي إحساسها بالمسئولية أكبر بكتير من سنين عمرها إلى حقيقة.

في البلاد البعيدة بنسمع أحيانا كتير عن قصص مشابهة، وفاة طفل أو مراهق أو حتى بالغ بتشجع عيلته إنها تحاول تدور على تصرف إيجابي يرفع من فوق كاهلها بعض الحزن و يخفف المعاناة عن آخرين، و يخلد إسم المتوفي و سيرته الطيبة في الأذهان.

لو طفل مات بمرض معين، تلاقي أمه بعد وفاته عملت جمعية للتوعية بالمرض ده عشان ما يحصدش أرواح أطفال تانيين، طفلة ماتت نتيجة تأخر الإسعاف بعد ما اتعرضت لحادث، تلاقي أبوها بيعمل حملة تبرعات عشان يجمع فلوس لبناء نقطة إسعاف تساعد على الحفاظ على حياة المصابين، و زي ما شوفنا الحملة الأخيرة ضد سهولة ترخيص الأسلحة في أمريكا اللي عملها طلبة في ثانوي بإسم زملاؤهم اللي ماتوا نتيجة مذبحة متكررة في المدارس الأمريكية، الحملات دي بتبقى مؤثرة و بتلقي الضوء على معاناة ناس مش متشافين، و بتغير الواقع للأفضل، و بتساعد أحيانا على تغيير قوانين.

في بلادنا القريبة، بيقتصر غالبا حزننا على البكاء و الدعاء، و إذا فكرنا نعمل حاجة في ذكرى المتوفي، بتكون غالبا كولدير ماية ساقعة أو تبرع لمستشفى أو بناء مسجد لو أهل المتوفي مقتدرين، و هي كلها أشياء عظيمة و مافيهاش مشكلة، لكن إحنا في هذه الحالة المزرية اللي بتعيش فيها شعوب المنطقة في حاجة لأعمال أكبر، أعمال مؤثرة و منظمة تساعد في تحسين حياة الناس اللي معاناتهم بتزيد كل يوم عن التاني ، مش بس عشان يكون للمتوفي بصمة في حياة اللي حواليه، و لا كعامل لتقليل حزن أهله و محبيه، لكن لأن العالم المؤلم اللي احنا عايشين فيه حاليا محتاج تكاتفنا كلنا لتغييره، أحياء كنا أو أموات.  

النشرة الإعلاميةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم

الصفحة غير متوفرة

المحتوى الذي تريدون تصفحه لم يعد في الخدمة أو غير متوفر حاليا.