تخطي إلى المحتوى الرئيسي
مدونة اليوم

غادة عبد العال: "حدث في الحرم"

سمعي
مونت كارلو الدولية

في رحاب الحرم المكي, في مقابلة الكعبة المشرفة, بعد صلاة العشاء, في العشر الأواخر من رمضان, كلها ظروف ما تشجعش أو ما توحيش باللي حصل وقتها, ماحدش كان متوقع إن صحن الكعبة اللي بيتلقى رخامة دعوات و مناجاة المصليين لربهم يتلقى المرة دي أشلاء شاب إختار إن المكان ده و الوقت ده تحديدا يكونوا مكان و وقت انتحاره.

إعلان

المشهد كان مفزع و صادم, لكن الصدمة ما استمرتش كتير و بدأ هواة الفتي و هواة نظريات المؤامرة يمارسوا نشاطهم المحبب و يحاولوا يلاقوا تفسير, و كان التفسير الأول اللي توصل له هواة الفتي إن الشاب المنتحر ينتمي لطائفة من طوائف شرق أسيا اللي بيؤمن أتباعها إن اللي يموت في الحرم يدخل الجنة فورا حتى لو كان منتحر.

ثم دخل محبوا نظرية المؤامرة على الخط و أعلنوا إنه: لأ إنتوا مش فاهمين حاجة, ده ده أصلا عيل يهودي متخفي, باعتاة إسرائيل مخصوص عشان يبوظلنا العرس الديمقراطي .. أأ أقصد الجو الروحاني بتاع شهر رمضان و يبوظ سمعة الكعبة و المسلمين.

مدونة وكاتبة مصرية ساخرة تمارس مهنة الصيدلة. بدأت مدونتها "عايزة اتجوز" عام 2006 قبل أن تنشر في كتاب عام 2009 تُرجم إلى لغات عدة عالمية منها الفرنسية وعرض في مسلسل حصل على الجائزة الفضية في مهرجان الإعلام العربي وحصلت عنه عبد العال على جائزة أحسن سيناريو. تكتب منذ 2009 مقالاً ثابتاً في الصحافة المصرية.

فيس بوك اضغط هنا

ثم لما اتضح إن الشاب فرنسي الجنسية من أصول من المغرب العربي يعني مش من شرق آسيا, و لما اتضح إنه معتمر, تغيرت نبرات الكل إلى الغضب و الثورة و صب جام اللعنات على دماغ الشاب مع أطيب التمنيات بالخلود في جهنم إلى أبد الآبدين.

قضية الانتحار من أكثر القضايا اللي الوعي الشعبي العربي حسم ضدها رأيه من زمان, جموع الناس مؤمنين إيمان تام إن المنتحر كافر مع إن لم يرد الكلام ده لا في قرآن و لا في حديث, و يؤمن عموم الناس أيضا إن السبب الوحيد للانتحار هو قلة الإيمان, و إن الحل الوحيد الفعال و العلاج الشافي من الاكتئاب اللي بيتسبب في الانتحار هو في الانتظام في الصلاة و محاولة الاقتراب من ربنا, عشان كده الحادثة دي جاءت لتهز كل هذه القناعات, أصل إيه هو المكان الأقرب لربنا - من وجهة نظر البعض- أكتر من الكعبة المشرفة؟

 خلينا  متفقين إن ثقافتنا العربية قاصرة جدا فيما يتعلق بالمعرفة بالأمراض النفسية و منها الاكتئاب, عدم الاعتراف بإن الاكتئاب أصلا مرض, بيخلق وصم مجتمعي للمرض النفسي و بيمنع مرضى كتير عن إنهم يدوروا على علاج, فكرة إن الاكتئاب ممكن ينتج عن اختلال كيميائي عضوي مش واردة خالص في أذهان الكثيرين اللي هم على درجة من الوعي يخليهم يعرفوا إنهم لو قالوا لمريض سكر إنه يقرب من ربنا بدون ما ياخد علاجه, ده مش هيقلل نسبة السكر في الدم, و لو قالوا لمريض بالكلى إنه لازم يلتزم بالصلاة مش هينصلح حال كليته لو توقف عن متابعة مرضه و علاجه, لكن نفس النصيحتين دول بيتم توجيههم ببساطة محزنة لمريض المرض النفسي في تجاهل تام لوجود فرع كامل في الطب مختص بعلاج الأمراض الشبيهة و عدد كبير من الأدوية اللي بيتحسن بسببها مرضى كتير في كل أنحاء العالم.

هتظل مشكلة التعامل مع الاكتئاب كمرض مشكلة كبيرة تتنامى و تتعملق في غياب الوعي المجتمعي بالمرض, و هيستمر مريض الاكتئاب في الشعور بالذنب و الإحباط و اليأس لما يجرب وصفة المجتمع المجربة من الالتزام بالصلاة و القرب من ربنا فيجد إن مرضه كما هو بما يعني إن ربما مافيش فايدة من محاولاته و لا سبيل لراحته من عذاباته إلا عن طريق الانتحار.

هذه الصفحة غير متوفرة

يبدو أن خطأ قد وقع من قبلنا يمنع الوصول إلى الصفحة. نعمل على حل هذه المشكلة في أقرب وقت ممكن