تخطي إلى المحتوى الرئيسي
مدونة اليوم

غادة عبد العال: "على أطراف الأصابع"

سمعي
مونت كارلو الدولية

تحيط بكل بيوت العالم حاليا حالة من الطواريء (ج)، ماحدش من حقه يعلي صوته، ماحدش من حقه يمشي في الصالة براحته و ماحدش من حقه يلمس ريموت التليفزيون، إنه وقت كأس العالم يا سادة فكله يلزم مكانه أحسن لكم.

إعلان

بتفكرني حالات الطواريء دي دايما بحالات طواريء مريت بيها أنا والكثيرين من أبناء جيلي في المناسبات المشابهة في بيوتنا، مناسبات كانت بتضطرنا لإننا نتحول لمخلوقات تانية، نتكلم بالإشارة، نتحرك من مكان للتاني على أطراف أصابعنا زي ما بيعمل لاعبو الباليه، نتنفس زي أي سباح أوليمبي محترف بيكتم نفسه طول الوقت ويا دوب يطلع ياخدله اتنين سنتي أكسجين فقط في الوقت والمكان المناسب، لكنها ما كانتش مجرد مناسبات بتحصل كل 4 سنين أو حتى كل موسم كروي، لكنها كانت مناسبات يومية متجددة و مستمرة، كانت جملة: بابا بيتفرج ع الماتش" أو "بابا نايم"،أو "بابا بيتكلم في التليفون" أو "بابا عنده ضيوف" بتثير جوانا كل مشاعر الخوف والقلق وتستدعي مننا إن كل أعصابنا تبقى مستفزة وعلى أعلى درجات الاستعداد و الاستنفار، لا مجال للتراخي و لا وقت للتصرف كطفل أو مراهق طبيعي أيا كان سنك، يعني تتنفس بصوت عالي فبابا يصحى؟، يعني تعدي قدام التليفزيون فجون دروجبا يدخل من غير ما بابا يشوفه؟، يعني تدخل الحمام فيتشتت ذهن بابا لجزء من الثانية عن متابعة الاستديو التحليلي لمباراة فريقي "ما تزوقيني يا ماما قوام يا ماما" وفريق "الباب اللي يجيلك منه الريح ييجوا الغرب يطردونا"؟ ده لاعشت ولا كنت ولاتستاهل تكون إلا هباءا منثورا والله.

فيه إصرار ما واحتفاء شعبي بفكرة إن الأب يكون هو "العو"، لازم يكون مصدر رعب بدلا من أن يكون مصدر الدعم والحب في البيت ،وكل ده كان بيصنف دايما على إنه من باب الأدب و الاحترام، و بيترحم البعض اليومين دول على الحالات اللي زي دي و إنها قلت و مابقتش زي زمان، وقد يرفع أحدهم بصره للسماء و هو بيفتكر بتلذذ ويقول، يا سلااام، ده أنا مرة اتنفست بس بصوت عالي قدام أبويا كتفني في عامود في الشارع ونزل فيا ضرب لما دمي غرق الشارع، أو تتذكر إحداهن بافتتان:  ده أنا يوم كنت راجعة مبسوطة من المدرسة وبابا لمحني بس إداني حتة ألم على وشي نزللي صف سناني، يا سلام. كانت أيام..

مدونة وكاتبة مصرية ساخرة تمارس مهنة الصيدلة. بدأت مدونتها "عايزة اتجوز" عام 2006 قبل أن تنشر في كتاب عام 2009 تُرجم إلى لغات عدة عالمية منها الفرنسية وعرض في مسلسل حصل على الجائزة الفضية في مهرجان الإعلام العربي وحصلت عنه عبد العال على جائزة أحسن سيناريو. تكتب منذ 2009 مقالاً ثابتاً في الصحافة المصرية.

فيس بوك اضغط هنا

وبعيدا عن كون تفخيم الأذى بالشكل ده من سمات الشعوب المريضة (واحنا أظن عندنا شك كبير يصل لدرجة اليقين من كم الأمراض اللي عندنا)، وبعيدا عن إن استمرار تبجيل و تقدير رغبات الأب على حساب الجميع بيخلي الدايرة تفضل مستمرة ما بتنكسرش ويظل كل ذكر اتربى في بيت شبيه بيكبر عشان يبقى بني ادم أناني وطفل كبير متخيل إن رغباته مهما كانت درجة تفاهتها أهم من رغبات الجميع أيا كانت أهميتها، لكن كمان استمرارتعظيم التصرفات الشبيهة في بيوتنا بتحرم أبهاتنا من الاستمتاع بدور أب من الأساس، وهو دور بالفعل ممتع ومشبع ويمنح قدر من الرضا والسلام النفسي لو عرفتوه مش هتتنازلوا عنه، لكن نقول إيه؟ فمجتمعاتنا تفننت في حرماننا من حنان آباءنا وحرمانهم من أداء أدوار اتخلقوا ليها، فاستبدلت الحب بالرعب، واستبدلت الأحضان والابتسامات والقهقهات بالمشي على أطراف الأصابع.

 

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم

الصفحة غير متوفرة

المحتوى الذي تريدون تصفحه لم يعد في الخدمة أو غير متوفر حاليا.