مدونة اليوم

غادة عبد العال: "أوكازيون"

سمعي
مونت كارلو الدولية

يتابع العالم حاليا مأساة إنسانية شديدة الحساسية والتعقيد, حيث تتضافر جهود فرق الإنقاذ من دول عديدة لمحاولة إنقاذ 12 طفلا تايلانديا ومدربهم اللي دخلوا يتفسحوا جوه سلسلة كهوف داخل منطقة جبلية، فحبستهم الأمطار ومابقاش عندهم وسيلة للخروج. أما عن الدخول لإنقاذهم ففرصه أيضا تبدو شبه مستحيلة.

إعلان

الحادثة و ردور الأفعال عليها رغم تفاعلنا الإنساني معاها و مع ضحاياها إلا إنها كانت لا يمكن أن تمر من أمامنا مرور الكرام بدون ما نتأمل و نقارن و نشعر بالمهانة و الحزن و الغضب لأن حوادث مشابهة لما بتحصل هنا في منطقتنا ردود الأفعال عليها بتكشفلنا أد إيه إحنا كبني أدمين بالنسبة لدولنا رخاص و أد إيه أنفسنا البشرية في حينا الطيب ليس لها أي اعتبار.

فكرتنا مثلا الجهود المستميتة المبذولة من ناحية الحكومة التايلاندية و فرق الإنقاذ التابعة ليها و تعاونها و توفيرها لكل سبل التعاون مع الفرق الأجنبية اللي بتساعدها بعدد من المواقف المميزة جدا اللي كانت بتحصل عندنا هنا في إطار التعامل مع حدث جلل يتسبب في تهديد الأرواح. 

خد عندك مثلا:

1-عندما تعرضت عبارة بحرية تحمل على متنها 1000 شخص لحادث غرق و بعت طاقمها نداء استغاثة, أجل مسؤولوا الإنقاذ بدء عملية إنقاذهم لمدة 9 ساعات كاملة فقط لأنهم ما رضوش يقلقوا منام رئيس الجمهورية اللي كانت موافقته لازمه لخروج مراكب إنقاذ مجهزة لموقع الحادث, لكن السادة المسؤولين فضلوا إنهم يتركوا الرئيس ينام نوما هادئا بينما يتمتع مواطنوه بقضاء ليلتهم جثثا راقدة في قاع البحر.

2- عندما تعرضت مدرسة بنات في إحدى الدول المحافظة اللي بترفع شعارات: المرأة جوهرة .. أو المرأة عورة .. أو الجوهرة عورة أيا كان يعني, إلى حريق كبير, حاولت طالبات المدرسة الهروب منها و النفاذ بعمرهم من المحرقة, لكن كان لحراس المدرسة رأي آخر فأغلقوا بوابات المدرسة على الضحايا لأن ما كانش يصح يخرجوا سافرات.

3- لما تعرض مجموعة من الشباب محبوا التسلق لعاصفة ثلجية تسببت في شل حركتهم و قطع طريقهم و تعرضهم للموت أثناء تسلقهم لجبل سانت كاترين رفض السادة المسؤولون يخرجوا طيارات هليكوبتر لإنقاذهم في الوقت المناسب لأنه في النهاية يعني دول كانوا رايحين يتفسحوا و احنا طياراتنا بنستخدمها في الجد مش في إنقاذ الشباب المغرم بهذه التفاهات.

أما الحادث الأكثر سيريالية فحدث في عام 2008 تقريبا لما تسبب انهيار صخري في حبس المئات تحت صخرة كبيرة انهارت فوق بيوتهم في أحد الأحياء الفقيرة, و لم يكن متوقعا طبعا ان حد هيقعد يتعب دماغه و يحاول يطلع بطرق فيها 1 على 1000 من الابتكار و التصميم اللي شايفينه حاليا في محاولة الخروج من المأساة التايلاندية, بل إن السيد المسئول بعد ما أنقذ شوية ضحايا سهل الوصول ليهم, قرر إن المهمة قضيت كده و ليس في الإمكان أفضل مما كان, و أصدر قرار بإن بلدوزارات الإنقاذ تردم على بقية الضحايا اللي  كانت أصوات استغاثاتهم مسموعة من ذويهم, بس هنعمل إيه يعني؟  نصيبهم كده, و إكرام "الحي" دفنه برضه يا ولاد.

و هكذا مع شوية فلاشات باك سريعة لأحداث لو ضغطنا زناد أفكارنا شوية كمان هنلاقي أضعاف أضعافها بتصدمنا الحقيقة اللي مش من المفروض إنها تصدمنا بأه خلاص .. و هي إن الأرواح الإنسانية و النفس البشرية و قيمة الروح و الدم و اللحم هنا في منطقتنا العظيمة من أرخص ما يكون, إذ تخضع قيمتهم لأوكازيون مستمر منذ بدء الخليقة و يبدو انه هيستمر حتى نهايتها .. أو نهايتنا.

مدونة وكاتبة مصرية ساخرة تمارس مهنة الصيدلة. بدأت مدونتها "عايزة اتجوز" عام 2006 قبل أن تنشر في كتاب عام 2009 تُرجم إلى لغات عدة عالمية منها الفرنسية وعرض في مسلسل حصل على الجائزة الفضية في مهرجان الإعلام العربي وحصلت عنه عبد العال على جائزة أحسن سيناريو. تكتب منذ 2009 مقالاً ثابتاً في الصحافة المصرية.

فيس بوك اضغط هنا

هذه الصفحة غير متوفرة

يبدو أن خطأ قد وقع من قبلنا يمنع الوصول إلى الصفحة. نعمل على حل هذه المشكلة في أقرب وقت ممكن