تخطي إلى المحتوى الرئيسي
مدونة اليوم

جمانة حداد: "العنف ليس بطولة"

سمعي
مونت كارلو الدولية
3 دقائق

لطالما وجدتُ في التاريخ - كدراسةٍ لأحداث الماضي - الكثير من العيوب والنواقص، على رغم تقديري لأهميته. في لغة التاريخ الجافة، يصير الضحايا إحصائيات، والسفّاكون فاتحين، والإستغلاليون رابحين. تصير المنازل محض حجارة، ومساقط الرأس مواقع وأهدافاً، ويقاس البؤس كانتصار أو هزيمة.

إعلان

يغضّ التاريخ طرْفه عن الأيتام والمحرومين والأرامل والمغتَصَبين والمُعَنَّفين والمشرَّدين والنازحين. يتجاهل الذين ذُبِحوا وجُرِحوا وماتوا. لا يذكر الأبرياء الذين عانوا، إلى أيّ جهة انتموا، أولئك الذين لم يكن لديهم أيّ رأي أو قرار في المصائب التي أُسقِطتْ عليهم إسقاطاً.

يطلق التاريخ على هؤلاء تسمية "أضرار جانبية"، وتنتقل عدسة الكاميرا الواسعة إلى مشهد آخر. لكن هؤلاء، بالنسبة إليَّ، هم أبطال الحرب الحقيقيون؛ هؤلاء الذين لا نستطيع رؤيتهم إلا بواسطة مجهر القلب.

لم أكنّ يوماً أيّ إعجابٍ أصلاً حيال جنس المقاتلين والمحاربين، الذي يُنظَر إليهم غالباً كأبطال. ترى، استناداً إلى أيّ معايير أصبح العنف يُعتبَر شكلاً من أشكال البطولة؟ من الصعب عدم ربط تمجيد العنف هذا، جزئياً في الأقلّ، بواقع أن العديد من آلهة هذه الأرض يوصفون كمهووسين بالسلطة ومتعطشين للدماء.

وتلك الآلهة ليست سوى انعكاس لأسوأ ما في جنسنا البشري: عوض التغلّب على خوفنا والارتقاء بالجزء الفاسد من طبيعتنا، قرّرنا تبريره بنماذج إلهية. أحد الأمثلة الصارخة على ذلك، قصة قايين وهابيل. أخٍ يقتل أخيه منذ الجيل الأول للعرق البشري. وسيبقى أبناء قايين وهابيل يذبح بعضهم بعضاً إلى أن نتصوّر قصة تكوين أكثر رقيّاً لجنسنا، ونخترع آلهة أكثر إنسانوية. أو لا آلهة على الإطلاق.

جمانة حداد

شاعرة وكاتبة وصحافية لبنانية، مسؤولة عن الصفحة الثقافية في جريدة "النهار" في بيروت. أستاذة في الجامعة اللبنانية - الأميركية وناشطة في مجال حقوق المرأة. أسست مجلة "جسد" الثقافية المتخصصة في آداب الجسد وعلومه وفنونه. أصدرت عشرات الكتب في الشعر والنثر والترجمة وأدب الأطفال لاقت صدى نقدياً واسعاً في لبنان والعالم العربي وتُرجم معظمها إلى لغات أجنبية. نالت جوائز عربية وعالمية عديدة. من آخر إصداراتها "هكذا قتلتُ شهرزاد" و"سوبرمان عربي".

فيس بوك اضغط هنا

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم

الصفحة غير متوفرة

المحتوى الذي تريدون تصفحه لم يعد في الخدمة أو غير متوفر حاليا.