مدونة اليوم

غادة عبد العال: "سعد زغلول في التجمع الخامس"

سمعي
مونت كارلو الدولية

تقف الفتاة الجميلة على الرصيف في حي التجمع الخامس الراقي في انتظار شخص ما, لا تمر دقائق طويلة حتى يأتي المتحرش, فالقاعدة تقول: فتاة جميلة ترتدي ملابس أنيقة تصفف شعرها الأشقر في تصفيفة تضفي على وجهها أنوثة واضحة, يبقى لازم نعلمها الأدب طبعا أمال إيه؟

إعلان

إذ يتخصص الشارع المصري على وجه الخصوص والعربي في العموم في فن تكدير الجميلات عشان يحرموا يعملوا كده تاني, وينتعش ويسعد ويزقطط كلما استطاع كسر رقبة إحداهن إذا اتجرأت وحاولت تنتمي بلبسها أو شكلها أو تصرفها لفصيل الإناث, أهو احنا نحب بناتنا كده, يكونوا شبه الغفر, وبعدين بعد ما يبقوا كلهم غفر نرجع نشتكي بأه واحنا بنشاورعلى مشجعات الكرة الأوروبيات ونقولهم شوفوا الحريم يا غفر!

المهم أن المتحرش بيظهر وبيستعرض كل سماجته وسخافته والكثير الكثير من اللزاجة التي لا تطاق, وبيعرض ع البنت إنه يعزمها على قهوة في مكان ما بدون أي سابق معرفة وكأن هذا الرصيف رصيف في أمستردام, ولما بيكتشف إنه بيتصور بينسحب جارا ورائه ابتسامته اللزجة وفائض من سخافة واستهزاء, لحد كده وهي حادثة تعتبر بسيطة : "تحرش لفظي سمج تم وضع حد ليه عن طريق كاميرا الموبايل وفيديو الناس اتفرجت عليه لما صاحبته نشرته" وخلاص, لكن لسبب غير مفهوم فضل الموضوع يكبر يكبر حتى أصبح حوار مجتمعي ما شوفنهوش من وقت كبير.

ودارت أسئلة معتادة زي:
هل يا ترى لبس البنت كان عامل في إن الشاب اللزج ييجي يتلزق؟

وأسئلة أقل اعتيادا زي :
طب فين الحد الفاصل بين الفليرتينج أو الغزل العفيف وبين التحرش؟

وطبعا لم تمتنع جموع أفراد محكمة الإنترنت من توجيه الاتهام للبنت عشان قليلة الحيا بما إنها نشرت الفيديو وفضحت نفسها, أو مأفورة وغاوية شهرة وكأن الشهرة عن طريق الوقوع ضحية لتحرش هو شيء لطيف قوي في مجتمعاتنا العربية يعني.

كل ده كان غير مستغرب ومن فرط فقدان الأمل في مجتمعاتنا كان شيء معتاد, لكن المختلف في المرة دي هو الاحتفاء المجتمعي بالشاب اللزج السخيف. الواد تحول بين يوم وليلة لنجم السوشيال ميديا, ناس بتتصور معاه في حفلات وشركات بتتفاوض معاه عشان يقوم ببطولة حملات إعلانية وشائعة أتمنى انها تكون غير حقيقية لأننا كده هنبقى وصلنا لدرجة هطل غير طبيعية عن شركة إنتاج بتتفاوض معاه عشان يشارك في تمثيل فيلم ما.

موجة من الإمعان في الاحتفال بالذكر اللي مش من المفروض- في رأي المجتمع- إن حد يحرجه مهما كان تصرفه سخيف أو حقير, يعني المجتمع ما حاولش حتى يتعدى الموقف من فرط تفاهته, لا أبدا. كان فيه اتفاق ما على إن الواد ده لازم يتنصف, ولازم يتنجم ولازم يتشال على الأعناق ولازم يكون مثل يحتذى في مجتمع قرر يعمل لكيس قمامة مقام.

أنا عن نفسي باشكر الأخ المتحرش اللزج السخيف على إنه شارك في إثارة هذا النقاش المجتمعي اللي انتهى بالنسبة لي لنتيجة واضحة بتقول إن أصدق جملة اتقالت في تاريخ أوطاننا عن أي أمل في تحول بلادنا لمجتمعات تعرف الحق من الباطل هي عبارة الزعيم الخالد سعد زغلول لما قال: مافيش فايدة .. مافيش فايدة.

غادة عبد العال

مدونة وكاتبة مصرية ساخرة تمارس مهنة الصيدلة. بدأت مدونتها "عايزة اتجوز" عام 2006 قبل أن تنشر في كتاب عام 2009 تُرجم إلى لغات عدة عالمية منها الفرنسية وعرض في مسلسل حصل على الجائزة الفضية في مهرجان الإعلام العربي وحصلت عنه عبد العال على جائزة أحسن سيناريو. تكتب منذ 2009 مقالاً ثابتاً في الصحافة المصرية.

فيس بوك اضغط هنا

هذه الصفحة غير متوفرة

يبدو أن خطأ قد وقع من قبلنا يمنع الوصول إلى الصفحة. نعمل على حل هذه المشكلة في أقرب وقت ممكن