تخطي إلى المحتوى الرئيسي
مدونة اليوم

جمانة حداد: "جنس عاطل"

سمعي
مونت كارلو الدولية
3 دقائق

صديقتي بريا أستاذة في جامعة نيودلهي، دكتورة في الفيزياء النووية، تجيد خمس لغات، ويستحيل أن تغلبها في لعبة الشطرنج. في اختصار، ينطبق عليها المثل اللبناني القائل: "عقلا بيوزن بلد".

إعلان

نخطط، بريا وأنا، لزيارتها بيروت، مذ تعارفنا خلال أحد المؤتمرات في لندن، وأخبرتني أن أمّها، التي ماتت لمّا كانت بريا لا تزال طفلة في الثامنة، كانت تخبرها كل ليلة قصة عن أميرة لبنانية شجاعة هزمت الغزاة وحكمت بلادها الجميلة بعدل ورحمة. منذ تلك الأيام، وخصوصاً بعد رحيل والدتها، شرعت صديقتي تحلم بالسفر الى لبنان، لعلها تسمع فيه بعضاً من صوت أمها.

مذ وصلت بريا الى مطار بيروت، بدأت البهدلة. لا بهدلتها هي، بل بهدلتنا نحن، نتيجة عنصريتنا المقرفة. بدءاً من النظرات المتعالية وليس انتهاء بالتعامل معها على أنها بالضرورة آتية لتكون عاملة منزل، أي استطراداً "شيئاً" وليس إنساناً.

أسبوع كامل أمضته هنا، لا أستطيع أن أتذكر كم مرّة خلاله تمنيتُ أن تنشق الأرض وتبلعني من فرط خجلي وحرجي حيال سلوك أخواتي المواطنات وإخواني المواطنين اللبنانيين العظماء.

يا عيب الشوم علينا. في لحظات كهذه، أعترف أني أتمنى لو يجيء طوفان أو وباء أو زلزال يبيد هذا الشعب ولا يبقي منه إلا بعض المحترمين، الرؤوفين، اللائقين، النادرين، لعلهم يعيدون اختراع سلالتنا من جديد ويمحون منها هذه البشاعة والدناءة. أكره أن أعمم ولكن للأسف، نادرون هم المحترمون، الرؤوفون، اللائقون في هذا البلد.

صديقتي بريا، سامحينا لأننا لا نعرف كيف نقدّر الآخر مهما كان لونه وجنسه وطبيعة عمله ووضعه الاجتماعي. سامحينا لأننا متخلفون، عنصريون، مقيتون، طبقيون، شوفينيون.
سامحينا لأن قلة منا استطاعت أن ترتقي الى درجة إنسان.

جمانة حداد

شاعرة وكاتبة وصحافية لبنانية، مسؤولة عن الصفحة الثقافية في جريدة "النهار" في بيروت. أستاذة في الجامعة اللبنانية - الأميركية وناشطة في مجال حقوق المرأة. أسست مجلة "جسد" الثقافية المتخصصة في آداب الجسد وعلومه وفنونه. أصدرت عشرات الكتب في الشعر والنثر والترجمة وأدب الأطفال لاقت صدى نقدياً واسعاً في لبنان والعالم العربي وتُرجم معظمها إلى لغات أجنبية. نالت جوائز عربية وعالمية عديدة. من آخر إصداراتها "هكذا قتلتُ شهرزاد" و"سوبرمان عربي".

فيس بوك اضغط هنا

 

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم

الصفحة غير متوفرة

المحتوى الذي تريدون تصفحه لم يعد في الخدمة أو غير متوفر حاليا.