تخطي إلى المحتوى الرئيسي
مدونة اليوم

جمانة حداد:"عصفوريتنا العظيمة"

سمعي
مونت كارلو الدولية
3 دقائق

من المؤسف والمؤلم أن تكون هناك، حتى يومنا هذا، وصمةُ عار مرتبطة بالأمراض النفسية والعقلية في لبنان والعالم العربي، رغم واقع تثبته الإحصاءات والدراسات، مفاده ان عدداً هائلاً من اللبنانيين والعرب يعانون من الاكتئاب او التوتر او الاضطراب القهري وسواها من المشكلات المشابهة بدرجات متفاوتة من الأهمية، وأن أدوية الأعصاب هي الأكثر مبيعاً في الصيدليات، مع - أو بدون - وصفة طبيب.

إعلان

هذا النوع من الإنكار والسرية ليس مؤلما فحسب، بل هو مخوّف أيضاً، لأنه يحول دون حصول الناس على العلاجات المناسبة لوضعهم، بدلا من أخذ تعليمات الجار أو الصديقة أو ابن العمّ، فضلاً عن أنه يشعر أولئك الذين يعانون من هذه الاضطرابات أنهم مضطرون لإخفاء الأمر، وإلا ستكون النتيجة فضيحة. فضيحة تعييرهم مثلاً بأنهم مجانين. فضيحة تصنيفهم بأنهم غير أسوياء أو غير طبيعيين. فضيحة التعاطي معهم وكأنهم خطرون ينبغي الحذر منهم وتفاديهم، أو، عند المقلب الآخر، محض نباتات لا نفع منهم ولا يؤخذ برأيهم.

لكنّ الفضيحة الحقيقية هي هذا التابو اللاإنساني، المؤذي، الشرير، الذي يدفع الانعزاليين الى المزيد من الانعزال، والمكتئبين الى المزيد من الاكتئاب، وهلم. والأنكى أن من يعيّر هو غالباً يعاني بدوره مشكلات مماثلة، لكنه يرفض الاعتراف بها لأنها في رأيه "ضعف".

يا جماعة، المرض النفسي مثل أي مرض آخر على وجه الأرض، ليس وهماً ولا تخيّلات ولا جنوناً ولا اختراعاً. هو داء يحتاج الى دواء مناسب، والى إحاطة، ويحتاج خصوصاً الى شجاعة الاعتراف به بالفم الملآن لأنه ليس عيباً ولا ذنباً.
ثم أجيبوني: ترى مَن السويّ فينا في هذه العصفورية العظيمة التي اسمها العالم العربي؟

جمانة حداد

شاعرة وكاتبة وصحافية لبنانية، مسؤولة عن الصفحة الثقافية في جريدة "النهار" في بيروت. أستاذة في الجامعة اللبنانية - الأميركية وناشطة في مجال حقوق المرأة. أسست مجلة "جسد" الثقافية المتخصصة في آداب الجسد وعلومه وفنونه. أصدرت عشرات الكتب في الشعر والنثر والترجمة وأدب الأطفال لاقت صدى نقدياً واسعاً في لبنان والعالم العربي وتُرجم معظمها إلى لغات أجنبية. نالت جوائز عربية وعالمية عديدة. من آخر إصداراتها "هكذا قتلتُ شهرزاد" و"سوبرمان عربي".

فيس بوك اضغط هنا

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم

الصفحة غير متوفرة

المحتوى الذي تريدون تصفحه لم يعد في الخدمة أو غير متوفر حاليا.