تخطي إلى المحتوى الرئيسي
مدونة اليوم

غادة عبد العال: "أربعة ريشة"

سمعي
مونت كارلو الدولية

أثناء دراستي الابتدائية في مدينتي الصغيرة في دلتا مصر, ألحقني والداي بمدرسة كانت يوما مدرسة للراهبات, لكن مع الزمن انحسر دور الراهبات فيها و أصبحت مجرد مدرسة خاصة ذات مصاريف أعلى من مثيلاتها الحكومية، لكنها كانت لا تزال مدرسة مفضلة لأولياء الأمور الراغبين في تعليم أفضل مما تقدمه الحكومة في مدارسها، وفي نفس الوقت فهي الوجهة الأمثل لمسيحيي المدينة لما لها من تاريخ.

إعلان

فتجاورنا في المدرسة مسيحيين ومسلمين, صفحات بيضاء, وبفضول الأطفال الطبيعي كنا بنشوف الفصل بينقسم نصين في حصص الدين ومش فاهمين بالتحديد ليه؟

واختارت مدرستنا ومدرسينا منهج غريب جدا في التعامل مع أسئلتنا وهو منهج التجاهل التام, ماحدش شرحلنا يعني إيه مسلم ويعني إيه مسيحي ولحساسية المكان والزمان, كانت أسئلتنا بتواجه بشيء من الجزع بيظهر في عيون مدرسينا ثم غلوشة وخروج بره الموضوع.

وكنا إحنا بفطرتنا بنفهم إن فيه شيء خطير الكبار مخبيينه علينا, وفي ليلة من الليالي بعد ليالي كتير من خوفي من السؤال، سألت أمي وقد فاض بي الكيل: ماما .. هو يعني إيه مسيحي؟ وكنت متخيلة إن بمجرد سماعها للسؤال هتنفجر في وشي غاضبة أو هتتجاهلني زي ما بيعملوا في المدرسة.

لكنها جاوبت ببساطة, يعني واحد بيصلي لربنا في الكنيسة زي ما احنا بنصليله في الجامع, ولما سألتها عن سبب إختلافه عننا, قالتلي ببساطة أكبر, عشان باباه ومامته بيصلوا في الكنيسة فطلع زيهم, واحنا عشان لقينا بابانا ومامتنا بيصلوا في الجامع فطلعنا زيهم.

كانت الإجابات بسيطة ومناسبة لسني فأرضتني وأسكتت هواجسي عن أمور أخطر ومؤامرة أكبر مخبيها الكبار.

لكن هذه الإجابات البسيطة اللي اتقدمتلي اتضح انها ما اتقدمتش لأطفال كتير,لا في البيت ولا في المدرسة ولا في المسجد, لأني عشت مراهقتي كلها بأسمع من زمايلي آراء أقل ما يقال عنها إنها وقحة عن زمايلنا المسيحيين، من أول رفضهم للمس أكلهم بدعوى إنه كله لحم خنزير, لرفض اللعب معاهم بادعاء إننا لو قربنا منهم هنلاقي ريحتهم وحشة, لرفض الذهاب لأعياد ميلادهم لأنهم أكيد يعني هيسقونا خمرة هناك, لحد تسميتهم بأسماء بتتقال من ورا ضهرهم همسا زي كوفتس وعضمة زرقة وأربعة ريشة, وده طبعا نقطة في بحر اللي كان بيتقال في المدارس الأزهرية أو في البيوت اللي ليها ميل إسلامي متزمت من تحريم مجرد السلام عليهم إلى آخره.

وبعد كل حادث إجرامي بيستهدف فيه إرهابيون مواطنين مسيحيين بسبب ديانتهم, بتنتشر دعاوى جماعية على وسائل التواصل الاجتماعي بتستنكر وصف الضحايا بالشهداء أو بتلوم من يترحم عليهم أو من يعزيهم, لأن الشهادة والرحمة والعزاء لا تجوز إلا لمسلم.

وبتخرج أصوات تانية تستنكر ده وتقول إحنا إمتى وصلنا لكده؟  دا احنا عمرنا ما كنا بنفرق بين مسلم و مسيحي,  بس أنا وغيري كتير عارفين إن لأ, من صغرنا كنا بنفرق, ولسه بنفرق, وهنفضل نفرق طول ما احنا بنتعامل مع الدين كخناقة, وما بنتكلمش عنه  بالبساطة اللي كانت أمي بتتكلم بيها عنه, بساطة جملة: عيسى نبي, موسى نبي, محمد نبي, و كل من له نبي يصلي عليه.

غادة عبد العال

مدونة وكاتبة مصرية ساخرة تمارس مهنة الصيدلة. بدأت مدونتها "عايزة اتجوز" عام 2006 قبل أن تنشر في كتاب عام 2009 تُرجم إلى لغات عدة عالمية منها الفرنسية وعرض في مسلسل حصل على الجائزة الفضية في مهرجان الإعلام العربي وحصلت عنه عبد العال على جائزة أحسن سيناريو. تكتب منذ 2009 مقالاً ثابتاً في الصحافة المصرية.

فيس بوك اضغط هنا

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم

الصفحة غير متوفرة

المحتوى الذي تريدون تصفحه لم يعد في الخدمة أو غير متوفر حاليا.