تخطي إلى المحتوى الرئيسي
مدونة اليوم

غادة عبد العال: "طفل البلكونة وتقديس الفقر"

سمعي
مونت كارلو الدولية

إذا كنت قد أمضيت الأسبوع الماضي داخل أحد كهوف الإسكيمو فقد يكون هذا هو السبب الوحيد الذي جعلك على غير دراية بقصة:"طفل البلكونة".القصة بدأت حين انتشر على مواقع التواصل الاجتماعي فيديو يقطع الأنفاس عن أم تحاول إجبار إبنها على القفز من نافذة ليتعلق بشرفة على ارتفاع 3 طوابق من الأرض.

إعلان

تخيل معايا كده منظر الأم الرحيمة وهي بتضرب بقبضتيها ساقي الولد المتعلق بذراع واحدة في حديد الشرفة ولا يفصله عن السقوط غير رحمة الله اللي لم تلمس يوما قلب الأم, صراخ الولد بأعلى صوته (خايف .. هاقع .. هاموت) أحرج الأم قدام الجيران اللي حنوا لحال إبنها (مش عشان هي اللي حنت له لا سمح الله) فشدت الولد بإيد واحدة  وانهالت ضربا عليه حتى إن صوت صفعاتها على وجهه يمكن سماعها عبر الفيديو رغم ابتعاد مكان التصوير.

بعد انتشار الفيديو وعلى أثر زوبعة الغضب والتنديد تحركت بعض الأجهزة الحكومية وتم استدعاء الأم للتحقيق, وانتظر الجميع تحقيق العدالة بعقاب السيدة أو تقديم دعم نفسي لأطفالها أو حتى إيداعهم دور رعاية قد لا تكون أفضل مصير لطفل لكنها بالتأكيد هتكون أقل خطر على حياته.

ثم في لحظة ما دخل الإعلام التقليدي على الخط وتم استضافة الأم في 3 برامج في ليلة واحدة، وهنا بدأت النغمة تتغير، من الحمق والنقمة والرغبة في تحقيق العدالة إلى ارتفاع الأصوات العالية التي تتعاطف مع الأم بل وتضعها في صورة ضحية، وكل ده ليه؟ لأنها طلعت فقيرة وجوزها مالوش مصدر دخل.

تشد في شعرك وتسأل المتعاطفين: وإيه علاقة فقرها بشروعها في قتل الطفل؟ وإيه علاقة تعطل زوجها بإن فيه تحت إيدها أولاد تانيين بالتأكيد مش حريصة عليهم زي ما هي مش حريصة على أخوهم الكبير، فينبري المتعاطفين في الدفاع باستماتة فقط لأنها فقيرة والفقر مبرر لكل شيء وغافر له.

هذه القضية أثارت فيا غيظ أكبر من غيظي من منطق (ولادهم وهم أحرار فيهم) اللي دايما بيتم التعامل على أساسه مع كل حادثة إيذاء بدني تصل لحد الموت بيكون الجاني فيها أب أو أم و المجني عليه بيكون طفل لا حول له ولا قوة كل اللي آذنب فيه إنه اتخلق إبن لهؤلاء المعاتيه.

غيظي المرة دي من هذا التقديس الغريب للفقر وفي نفس الوقت التعامل مع الفقراء وكأنهم كائنات متوحشة لا يمكن محاسبتهم على شيء فقط لأنهم فقراء، فبعيدا عن إن في ده ضياع لحقوق كتيرة من حقوق المجتمع، لكنه كمان تعالي وعنصرية ضد الفقراء بوضعهم في مكانة أقل من مكانة البشر.

عمر الفقر ما كان مبرر لانعدام الرحمة، عمره ما كان مبرر لانعدام الضمير، عمره ما كان مبرر للاستهانة بأرواح الآخرين والتسبب في الإيذاء ليهم، عمره ما كان مبرر لحقارة النفس وسوء الخلق، إنتوا بس اللي بدفاعكم عن مجرمين فقراء بتلوثوا سمعة فقراء كتير لكنهم بشر زيهم زيكم حتى ولو كرهتم تصنيفهم معكم في نفس خانة إنسان.

غادة عبد العال

مدونة وكاتبة مصرية ساخرة تمارس مهنة الصيدلة. بدأت مدونتها "عايزة اتجوز" عام 2006 قبل أن تنشر في كتاب عام 2009 تُرجم إلى لغات عدة عالمية منها الفرنسية وعرض في مسلسل حصل على الجائزة الفضية في مهرجان الإعلام العربي وحصلت عنه عبد العال على جائزة أحسن سيناريو. تكتب منذ 2009 مقالاً ثابتاً في الصحافة المصرية.

فيس بوك اضغط هنا

هذه الصفحة غير متوفرة

يبدو أن خطأ قد وقع من قبلنا يمنع الوصول إلى الصفحة. نعمل على حل هذه المشكلة في أقرب وقت ممكن