تخطي إلى المحتوى الرئيسي
مدونة اليوم

جمانة حداد: "حبك نار !"

سمعي
مونت كارلو الدولية

قرأت مؤخراً في الماغازين ليتيرير حواراً صحافياً مع أديب برازيلي، يقول فيه إنه مصاب بالاكتئاب منذ أكثر من عشرين سنة، لكنه يمتنع عن أخذ أي أدوية أو متابعة أي علاج نفسي، لأنه يخاف أن يخسر موهبته إن هو تخلص من اكتئابه.

إعلان

فعلاً، لقد معظمنا تعلم في المدارس وفي الجامعات، وقرأ في الكتب، أننا لا نكون أدباء وفنانين إلاّ إذا كنا معذّبين.

فصار الواحد يشتغل على نفسه و"يتعلم" حرفة الحزن وشروطه بهدف أن يصير كاتباً، وبتنا محكومين سلفاً بشرط هذه الوصفة الطبية، ولا نستطيع أن نتخيل الأدباء إلا ويدهم على خدّهم، ينظرون الى البعيد، والدمعة تصارع كي لا تخرج من مآقيهم، أو يدندون "حبّك نار" للحبيب بعد الفراق، وهلم من الكوارث والآلام.

لا أقصد أن أهزأ بالمكتئبين، ولي حصتي مع الكآبة والاكتئاب شخصياً. ولكن قصدي أن ألفت الى أن النفس البشرية الخلاّقة محكومة فقط وحصراً بمواهبها وعبقرياتها التي تسبق "الكآبة" مثلما تسبق "الفرح" على السواء، بما يحرر عملية الخلق من أي شروط ملزمة مسبقة.

المعاناة ليست شرطا ضروريا لكي يكون الموهوب موهوباً والعبقري عبقريا. والدليل أن ثمة أعمال تتمرد على هذا التصنيف، فلا هي كئيبة متشائمة ولا هي مبتهجة متفائلة. هي أعمال عظمى فحسب، وتكمن أهميتها في كونها تشكل تحولات وإضافات في ذاتها، بمعزل عن معانيها.

في اختصار، أنا مع الكآبة الجميلة، اي غير البكّاءة، بل تلك الطالعة من معاناة نبيلة، مترفّعة، معاناة اذا انضمت الى أدوات واختبارات ومعطيات، تمكّن الإنسان من أن يكون خلاقاً.

العذاب ليس شرطاً من شروط الخلق... لكنه، أعترف، أحد أهم الحوافز.

جمانة حداد

شاعرة وكاتبة وصحافية لبنانية، مسؤولة عن الصفحة الثقافية في جريدة "النهار" في بيروت. أستاذة في الجامعة اللبنانية - الأميركية وناشطة في مجال حقوق المرأة. أسست مجلة "جسد" الثقافية المتخصصة في آداب الجسد وعلومه وفنونه. أصدرت عشرات الكتب في الشعر والنثر والترجمة وأدب الأطفال لاقت صدى نقدياً واسعاً في لبنان والعالم العربي وتُرجم معظمها إلى لغات أجنبية. نالت جوائز عربية وعالمية عديدة. من آخر إصداراتها "هكذا قتلتُ شهرزاد" و"سوبرمان عربي".

فيس بوك اضغط هنا

 

هذه الصفحة غير متوفرة

يبدو أن خطأ قد وقع من قبلنا يمنع الوصول إلى الصفحة. نعمل على حل هذه المشكلة في أقرب وقت ممكن