تخطي إلى المحتوى الرئيسي
مدونة اليوم

جمانة حداد: "وقت ضائع"

سمعي
مونت كارلو الدولية

أنا، أكثر ما أكون أنا، عندما أكتب.خائفة كمثل طفلة في دغل، لأني الطفلة، ولأن كل كلمة مشروع شجرة، بل مشروع غابة. شفافة كمثل عنق لحظة الاختناق، أدركتْ أن لا قبل، ولا بعد. أن لم يعد لديها سوى تلك اللحظة في ذاتها، لكي تكون.

إعلان

أعشق الكتابة بشغف لا يشبه إلا نار الحبّ عند اندلاعها، لكني أيضاً أخشاها، وكم عميقاً أخشاها. أترقب زمنها وأنتظره بشوق ليس له مثيل، لكني في الآن نفسه أهرب منها، أؤجلها، أخترع الحجج لكي أبرر لنفسي ولها أني لستُ جاهزة بعد: انتظري أيتها الكلمات. أمهليني قليلاً. ما زال عليّ أن أسرّح شعري من أجلكِ. أن أتعطّر وأرتدي أبهى أثوابي كي أستحقكِ. أن أختار من لحمي ودمي الأشهى لجوعكِ. لكنها، أي الكتابة، لا تمهل. هي طارئة كمثل رحم أدركت لحظة الإنجاب، فلا يسعها التأخر أو التلكؤ لأن الحياة لا تنتظر أحداً عندما تقرر أن تنفجر.

شاعرة وكاتبة وصحافية لبنانية، مسؤولة عن الصفحة الثقافية في جريدة "النهار" في بيروت. أستاذة في الجامعة اللبنانية - الأميركية وناشطة في مجال حقوق المرأة. أسست مجلة "جسد" الثقافية المتخصصة في آداب الجسد وعلومه وفنونه. أصدرت عشرات الكتب في الشعر والنثر والترجمة وأدب الأطفال لاقت صدى نقدياً واسعاً في لبنان والعالم العربي وتُرجم معظمها إلى لغات أجنبية. نالت جوائز عربية وعالمية عديدة. من آخر إصداراتها "هكذا قتلتُ شهرزاد" و"سوبرمان عربي".

فيس بوك اضغط هنا

نعم. هكذا أنا. أكثر ما أكون نفسي، عندما أكتب. وأكثر ما أحب نفسي، عندما أكتب. وأكثر ما أكره نفسي وأحاسبها وأحكم عليها أقسى الأحكام، عندما أكتب. أي تعذيب هو هذا، أن تجبركِ قوة ما على التعرّي والمواجهة عزلاء من كل شيء؟ أي تعذيب هو هذا، أسأل، وأي نشوة أيضاً؟ أن تشعري أن لا شيء يهمك بعد هذه اللحظة. لحظة الانكشاف المطلقة. ها خنجر الكتابة تصل وتشق. تفتح الرحم وتسحب منها حياة جديدة بمعزل عنك، وأحياناً رغماً عنك.
أنا، أكثر ما أكون أنا، عندما أكتب.
كل ما عدا ذلك، أي ما يسمّى حياة، هو وقت ضائع فحسب.

الصفحة غير متوفرة

المحتوى الذي تريدون تصفحه لم يعد في الخدمة أو غير متوفر حاليا.