تخطي إلى المحتوى الرئيسي
مدونة اليوم

جمانة حداد: "هذا ما يجعلنا بشراً "

سمعي
مونت كارلو الدولية

شخصياً، لا أؤمن بالقدرية ولا الجبرية. لا بل أعتبر أن هذه المزاعم مؤامرات على قدراتنا وطاقاتنا وعقولنا، وأنها تدفعنا الى أن نمتثل ونذعن بدل أن نحيا ونمارس حقّنا في اتخاذ القرارات وتحمّل مسؤولياتنا.

إعلان

أكرّر: لستُ من المؤمنين بقدرية السلوك والطباع، ولا من المحبّذين للأحكام الفرويدية القاطعة على البشر. مما لا شك فيه أن ظروفنا تطبعنا الى حدّ هائل، لكنها ليست بالضرورة "مصيراً"، إلا إذا كنّا مجرّدين تماماً من أي قدرة على المقاومة والمواجهة.

لا أستسيغ هذا الاستسلام أو الانهزامية، أو هذا التبرير الهيّن لما نرتكبه من أغلاط. يجب علينا أن نمتلك أخطاءنا، وهي حقّنا أصلاً، بدلاً من أن نعزوها في شكل تلقائي الى عامل آخر أو أن نضع اللوم على أهلنا مثلا (علماً أنهم يستحقون اللوم جزئياً، على غرار جميع الأهل، اذ ليس هناك من تربية مُثلى ومجرّدة من أي تأثيرات عن قصد أو غير قصد).

نعم، نستطيع أن ننزع "جلدنا" عنّا، وأن نسيطر على غرائزنا وانفعالاتنا العفوية، شرط أن يتوافر فينا مراس الوعي. وهو ليس بالمراس السهل طبعاً، ولا في متناول الجميع للأسف، لأنه يتطلب جهوزية فكرية شبه دائمة وقدرة على الخروج من ذواتنا التلقائية ومراقبة ما يحدث عن بعد، لكنه ليس مستحيلاً.

لا شك في أننا عند البدء، أي في لحظة الولادة، نرث ذواتنا البدائية من دون أن تكون لدينا هبة الاختيار. أي أننا لا نستطيع سوى أخذ ما نُعطى، وقبول ما يوزَّع علينا من أوراق لعب. ولكن في مراحل لاحقة، بعد حدوث النضج والوعي بفعل التجارب والتحليل والمقارنة والتعلّم من الخطأ، علينا أن نصنع ذواتنا الحقيقية. أن نرمي بكل ما لا يقنعنا ونكتسب ما نريد أن نكون.
هذا الوعي هو ما يجعلنا بشراً.

جمانة حداد

شاعرة وكاتبة وصحافية لبنانية، مسؤولة عن الصفحة الثقافية في جريدة "النهار" في بيروت. أستاذة في الجامعة اللبنانية - الأميركية وناشطة في مجال حقوق المرأة. أسست مجلة "جسد" الثقافية المتخصصة في آداب الجسد وعلومه وفنونه. أصدرت عشرات الكتب في الشعر والنثر والترجمة وأدب الأطفال لاقت صدى نقدياً واسعاً في لبنان والعالم العربي وتُرجم معظمها إلى لغات أجنبية. نالت جوائز عربية وعالمية عديدة. من آخر إصداراتها "هكذا قتلتُ شهرزاد" و"سوبرمان عربي".

فيس بوك اضغط هنا

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم

الصفحة غير متوفرة

المحتوى الذي تريدون تصفحه لم يعد في الخدمة أو غير متوفر حاليا.