تخطي إلى المحتوى الرئيسي
مدونة اليوم

غادة عبد العال: "كله رايح"

سمعي
مونت كارلو الدولية

تمسك بجهاز الريموت كنترول وتأخذ جولة سريعة بين القنوات الإخبارية فتتسارع أمام عينيك صور لا يمكن أن يتخيل عاقل أن تتجمع جميعها في مكان واحد من العالم.

إعلان

في ركن من هذا المكان بتشوف أشخاص تشتعل النيران بأجسادهم فيتجولون بنيرانهم هائمين على وجوههم دون وجود أي أثر لطفاية حريق، رغم إن مكان الحادث محطة قطار تستقبل يوميا الآلاف من الناس اللي اختاروا ركوب القطر تحديدا لأنه أأمن وسيلة مواصلات أو هكذا يدعون.

في مكان تاني لازم ندعك أعيننا عشان نصدق إننا شايفين رئيس حالي وجثة متحركة بيستعد عشان يتولى رئاسة بلاده لفترة جديدة معظمها في الغالب هيقضيها حاكما من القبر.

في مكان تالت ما زالت هناك حرب طاحنة بين جيش مدجج بالسلاح ومعارضة تعشق قطع الرقاب، بينما احنا في القرن الواحد والعشرين وقد تركت كل دول العالم الحروب المباشرة ورا ضهورهم من زمان واكتفوا بالحروب السياسية والاقتصادية.

ده طبعا بالإضافة لعدد من الأماكن اللي لا يزال حكامها متمسكين بالبقاء على كراسي الحكم حتى نهاية عمرهم دون أن يمتلكوا أي رغبة للتعلم من المصائر المقندلة  للمتمسكين بكراسيهم قبليهم، من سجن أو هروب أو اغتصاب حتى الموت.

ده طبعا إلى جانب تشكيلة من الصور المعبرة عن قوانين بتضطهد الأقليات، وعادات بتمتهن المرأة، واقتصاد وتعليم وصحة وديمقراطية رايحين في داهية، رايحين في داهية لا محالة.

قد تتخيل أن الصورة الكاملة للمنطقة اللي بتعيش فيها إذا جمعت كل الصور دي مع بعض هي بمثابة دعوة للغضب، قد تتخيل إن الحل في النزول للشارع والاعتراض، أو في دعم المعارضة السياسية حتى يتحقق لها الفوز ومحاولة تغيير الواقع. 

ده رأي معتبر ولو إن فيه ناس قبل كده جربوا كل الحلول دي وجت على دماغهم، أما الرأي التاني فقد جاء على لسان إحدى شخصيات مسلسل تلفزيوني رمضاني كوميدي بتعتبر حاليا أيقونة وميم وهي شخصية ساعي مكتب عدمي كان شايف ببساطة إنه لا يوجد حلول ولا يوجد أمل ولا منطق للمعافرة مع أي شيء لأنه : “كله رايح".

منطقتنا العربية الشرق أوسطية بما تعشقه من بطش وبيروقراطية وضيق أفق وافتتان بالرجعية، أعتقد إنها عدت من مدة خارج حدود الزمن، لما الناس بتتكلم عن مناطق أخرى من العالم ويتساءلوا يا ترى سابقيننا بأد إيه؟ بيفترضوا إننا أصلا على نفس المسار، بينما إحنا مسارنا مش خط مستقيم،  إحنا بندور في دواير بتتكامل في شكل مخروط وإحنا في رحلة دائمة لتحت، لقاع المخروط، كمن يغرق في بلاعة كبيرة ليس لها قرار.

بمجرد وصولنا لهذه الحقيقة، صدقني كلنا هنرتاح، فيه نوع من أنواع الاستسلام الجميل اللي الكل بيوصل له بمجرد ما يحس إنه ليس له يد ولا حيلة ولا قرار، حاجة كده شبيهة بالفرقة الموسيقية اللي فضلوا إنهم يعزفوا أثناء غرق تايتنيك بدل ما يشعروا بالذعر لأن مافيش مساعدة جاية وقوارب الإنقاذ اللي بتسمح بهروب البعض لا تكفي الجميع.

كل شيء بيحصل في المنطقة دي بيدفعنا لإننا نستسلم، ونبطل نقاوح، ونستمتع بما تبقى لنا من عمر على متن تلك السفن الغارقة لا محالة، ونجهز كم معتبر من الفشار يسلينا واحنا بنفترج على أنفسنا بنتحرق وبنغرق وبنتعدم وبنسجن وبتحكمنا مجموعة من الجثث المتحركة حتى نهاية العمر، عمرنا إحنا مش عمرهم هم للأسف.  

غادة عبد العال

مدونة وكاتبة مصرية ساخرة تمارس مهنة الصيدلة. بدأت مدونتها "عايزة اتجوز" عام 2006 قبل أن تنشر في كتاب عام 2009 تُرجم إلى لغات عدة عالمية منها الفرنسية وعرض في مسلسل حصل على الجائزة الفضية في مهرجان الإعلام العربي وحصلت عنه عبد العال على جائزة أحسن سيناريو. تكتب منذ 2009 مقالاً ثابتاً في الصحافة المصرية.

فيس بوك اضغط هنا

   

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم

الصفحة غير متوفرة

المحتوى الذي تريدون تصفحه لم يعد في الخدمة أو غير متوفر حاليا.