تخطي إلى المحتوى الرئيسي
مدونة اليوم

جمانة حداد: "أحبّهم"

سمعي
مونت كارلو الدولية

أحبّ الناس الطيّبين. أولئك الذين يبتسمون للغرباء بلا سبب.الذين يحزنون عندما يرون طفلاً يتسوّل. الذين يمرّون في الحياة وكأنهم اعتذار على قسوتها. الذين يقولون شكراً ويعنونها. الذين يقال عنهم، بدونيةٍ تثير غضبي: “قلبن طيّب كتير يا حرام”، بينما مَن يستحق الشفقة هو الذي يشفق، لأنه لا يرى ما يستحق الرؤية…

إعلان

أحبّ الناس الطيّبين. أولئك الذين لم يلوّث هذا العالم بساطتهم. بساطتهم التي هي ذكاء فطري في ذاته، لا يحتاجون الى أكثر منه ليحتملوا ثقل العيش. أحبّ الفقراء أيضاً، وهم غالباً الأغنى. أولئك الذين يستيقظون باكرا جداً للذهاب الى أشغالهم المرهقة، في معامل ضخمة أو ورش منهكة تأكل أعمارهم. أولئك الذين أسمع ضوءضاءهم عندما أفتح شبّاكي  في ليالي الأرق. الذين  يكدهم العرق بينما يقومون بأعمالهم. الذين يستخدمون أيديهم لكي يحيوا ولكي نحيا. البنّاؤون. عاملو التنظيف. الحمّالون. الخيّاطات. البائعات. الإسكافيون. النادلون والنادلات. خضرجي الحيّ. صاحب المصبغة الصغيرة على زاوية الشارع. الصبايا السمر اللواتي يأتين من بلاد بعيدة لكي يلمّعوا أرض البيوت.

أحبّهم. أحبّ أهل الهامش لأنهم المتن في أقصى تجلياته. أولئك الذين يعتقد البعض أنهم الأقل أهمية في المجتمع لا لشيء سوى لأنهم لا يرتدون بدلة ولا يعملون في مكتب. الذين لولاهم تقف عجلة الأرض ويتخربط كل شيء. الذين يكاد كثر لا يرونهم. أحبّهم لأني أراهم. أراهم لأني، يا لحظي، تربيت وكبرت بينهم، ومهما ألهتني الحياة أو أبعدتني عن دنياهم، سأظل أراهم.

جمانة حداد

شاعرة وكاتبة وصحافية لبنانية، مسؤولة عن الصفحة الثقافية في جريدة "النهار" في بيروت. أستاذة في الجامعة اللبنانية - الأميركية وناشطة في مجال حقوق المرأة. أسست مجلة "جسد" الثقافية المتخصصة في آداب الجسد وعلومه وفنونه. أصدرت عشرات الكتب في الشعر والنثر والترجمة وأدب الأطفال لاقت صدى نقدياً واسعاً في لبنان والعالم العربي وتُرجم معظمها إلى لغات أجنبية. نالت جوائز عربية وعالمية عديدة. من آخر إصداراتها "هكذا قتلتُ شهرزاد" و"سوبرمان عربي".

فيس بوك اضغط هنا

هذه الصفحة غير متوفرة

يبدو أن خطأ قد وقع من قبلنا يمنع الوصول إلى الصفحة. نعمل على حل هذه المشكلة في أقرب وقت ممكن