تخطي إلى المحتوى الرئيسي
مدونة اليوم

جمانة حداد: "وجه الذل "

سمعي
مونت كارلو الدولية

أمس كان يوم عيد العمّال في العالم. هؤلاء الذين يصنعون حياتنا بعرق جبينهم وأيديهم. في لبنان كلّنا عمّال. كلّنا تقريباً. ما عدا قلة قليلة تجلس على أكتافنا. تقصم ظهورنا. ولا تشعر بشيء سوى بغريزة مصالحها وأنانياتها.

إعلان

أمس كان يوم عيد العمّال في العالم. وإذ كنت أمشي في أحد الأحياء قرب منزلي في قلب بيروت، رأيت طفلاً وأباه ينقبّان في النفايات. لو كنتُ أستطيع أن أستبدل كلماتي اليوم بصورة، لكنتُ استبدلتها بتلك الصورة المؤلمة. القصة، كل القصة، مختصرة في عيني ذلك الفتى وهو يبحث في الخراب عن ضوء ما يخفف عنه الجوع أو الحاجة أو اليأس.

لست أتفلسف. ما أريد قوله في هذا المجال هو محض اعتراف بأن حياة الإنسان، وكرامة الإنسان، وحقوق الإنسان باتت كلها لا قيمة لها في لبنان. بل أكثر من الاعتراف، هذا المقال يريد لنفسه أن يكون تحريضاً علنياً مكشوفاً وعالي النبرة على التمرّد، من أجل أن لا يبقى طفل واحد في هذه البلاد يبحث عن خلاصه في سلة نفايات.

نستحق وطناً يكون خلاصنا. يكون ملاذنا. يكون طعامنا وشرابنا ومخدتنا ونومنا الهانىء وأحلامنا. نستحق وطنا لا يسحقنا.

نسيت أن أخبركم بما هو أسوأ من مشهد إنسانين ينقّبان في المهملات. إنه مشهد المارة. المارة الذين كانوا يعبرون أمام هذين الشخصين من دون أن يلتفتوا حتى اليهما. وكأن هذا الذل أمر طبيعي. لا يستحق الالتفات. لا يستحق مد يد المساعدة.

ما أريد قوله على هامش هذا المشهد، إن إنسان الزمن الراهن مصاب بسرطان اللامبالاة. وإذ أقول ذلك، فلأني أتمنى أن يظل البشر أناساً قبل كل شيء، على الرغم من قساوة هذا العالم.

جمانة حداد

شاعرة وكاتبة وصحافية لبنانية، مسؤولة عن الصفحة الثقافية في جريدة "النهار" في بيروت. أستاذة في الجامعة اللبنانية - الأميركية وناشطة في مجال حقوق المرأة. أسست مجلة "جسد" الثقافية المتخصصة في آداب الجسد وعلومه وفنونه. أصدرت عشرات الكتب في الشعر والنثر والترجمة وأدب الأطفال لاقت صدى نقدياً واسعاً في لبنان والعالم العربي وتُرجم معظمها إلى لغات أجنبية. نالت جوائز عربية وعالمية عديدة. من آخر إصداراتها "هكذا قتلتُ شهرزاد" و"سوبرمان عربي".

فيس بوك اضغط هنا

الصفحة غير متوفرة

المحتوى الذي تريدون تصفحه لم يعد في الخدمة أو غير متوفر حاليا.