تخطي إلى المحتوى الرئيسي
مدونة اليوم

غادة عبد العال: "معركة رمضان"

سمعي
مونت كارلو الدولية

رمضان هو قطعا وقت للبهجة، مع كل ما يحيط به من مشقة إلا أنه على مر السنوات اكتسب تلك الطقوس التي التصق بعضها به عن طريق الصدفة. فارتبط تناول التمر برمضان مثلا لتوفره بيئيا عند بدء الصيام، وارتبطت به الفوانيس عندما خرج أهل القاهرة يحملونها لتضيء الطريق عند استقبال واليهم الجديد الذي تصادف قدومه ليلة رمضان.

إعلان

وازداد ارتباط الطقوس بالشهر حتى كادت أن تصبح طقوسا مقدسة لا يقدر أحد على مخالفتها. وإذا كنا بنعمل كده بالطقوس الاحتفالية، فما بالك بالغرض الأصلي لرمضان ألا وهو الصيام. " يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم".

كتب علينا نحن المسلمون الصيام في شهر رمضان، والصيام تحديدا هو من أكتر العبادات اللي بتمارس بانتظام على الرغم من مشقتها.

والأهداف الأساسية للصيام زي ما علمونا هي بتتنوع بين الشعور بالفقير، والسيطرة على النفس بالتخلي عن شهواتها ورغباتها. وفي كل الأحوال هي عبادة بتمارس طاعة للخالق وتنفيذا لأمره.

ثم تطورت الأمور وتغيرت الأزمان، وأصبح رمضان شهر للتفاخر والانغماس في الملذات من طعام وشراب فور غروب شمس كل يوم. وتغيرت أيضا النظرة للصيام، فأصبح البعض بيبصلها كعقاب، والبعض الآخر كحمل تقيل، والبعض التالت بيعبد العبادة أكتر أحيانا ما بيعبد رب العبادة.

أتحدث هنا عن الإصرار على الصيام لكل الفئات اللي ليها رخصة الإفطار من مرضى أو على سفر أو حوامل أو مرضعات. البعض بيصرعلى الصيام لأنه بيتخيل إن ثوابه لو استخدم رخصته هيكون منقوص، والبعض فقط عشان مستتقل إعادة الصيام بعد رمضان لأن الصيام في جماعة أسهل.

لكن الأغرب من الناس دي اللي ممكن تكون دوافعها مفهومة، هم بقية الناس اللي بيتطوعوا بتعنيفهم وتأنيبهم والتضييق عليهم إن هم حاولوا استخدام رخصة أحلها الله ووفرها لهم كقبس من رحمته.  لكن على الرغم من أن الله يحب أن تؤتى رخصه إلا إن الناس بتكره إنها تشوف حد بيستخدمها.

الطبيب اللي بيقنع المريض يصوم بادعاء إنه بيعمل كده عشان ما يشيلش ذنبه، الستات اللي بتنصح الحامل إنها تحرم ابنها من الغذا اللازم أو المرضعة إنها تحرم رضيعها من اللبن الكافي تحت شعار "ما احنا كلنا  حملنا ورضعنا وكنا بنصوم جرى لنا إيه يعني؟" 

الناس اللي بتتطوع بالنصيحة وبتنجرف في موجات التأنيب وتنزلق حتى مرحلة التشنيع والتوبيخ والإهانات، ما بيعملوش كده من منطلق حب الخير أو الحفاظ على الدين أو عباداته. وإنما كلها في رأيي دوافع أنانية بحتة، وأسئلة بتدور في خلفية الرأس بتقول: وليه ما يتعبوش زي ما أنا تعبت؟ وليه ما يعانوش زي ما أنا بعاني؟ وليه يستفيدوا برحمة ربنا اللي أنا أصلا مش مؤمن بيها. الدين لازم يكون مشقة، الرحمة دي عكس الدين.

وهكذا تقوم كل عام تلك المعركة الخفية بين الرحمة وبين الأنانية، بين السماحة والتشدد، بين حسن الظن وليّ الذراع. لكن على أي حال سنظل نقاوم كل تلك النوايا السيئة لنحافظ على رمضان جميل وكريم.

غادة عبد العال

مدونة وكاتبة مصرية ساخرة تمارس مهنة الصيدلة. بدأت مدونتها "عايزة اتجوز" عام 2006 قبل أن تنشر في كتاب عام 2009 تُرجم إلى لغات عدة عالمية منها الفرنسية وعرض في مسلسل حصل على الجائزة الفضية في مهرجان الإعلام العربي وحصلت عنه عبد العال على جائزة أحسن سيناريو. تكتب منذ 2009 مقالاً ثابتاً في الصحافة المصرية.

فيس بوك اضغط هنا

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم

الصفحة غير متوفرة

المحتوى الذي تريدون تصفحه لم يعد في الخدمة أو غير متوفر حاليا.