تخطي إلى المحتوى الرئيسي
مدونة اليوم

غادة عبد العال : "هيستيريا الصيام"

سمعي
مونت كارلو الدولية

الإنسان كائن يعشق التنافس, منذ فجر التاريخ لما كان الإنسان يتنافس مع أخيه الإنسان على الطعام المتاح والصيد وإناث القبيلة المتاحات للتزاوج, كان التنافس مسألة حياة أو موت لا يصح التهاون فيها ولا النظر إليها باستخفاف، حيث أن الحياة نفسها بتتوقف على مدى نجاح الإنسان وعلى النتائج القادر على الخروج بيها من هذه المنافسة أو تلك.

إعلان

ثم ارتقى الإنسان وتحضر وارتدى الملابس وركب السيارات والطائرات, لكن ظل التنافس والمنافسة ركنا أصيلا في حياته لا يمكنه العيش بدونه.

أصل إيه اللي يثبت إنك ناجح  في شغلك إلا إذا قست درجات ترقياتك مع زميلك؟  وإيه اللي يؤكد إنك متفوق دراسيا إلا إذا كنت سابق جارك بنمرتنين؟ وإيه هو الدليل الساطع على إنك امرأة ناجحة إلا لما تقارني فرحك بفرح بنت خالتك وتقارني نيشك بنيش بنت عمك؟ هي دي الحياة وهي دي الطريقة اللي بتدينا بيها الأوسمة والنياشين.

وكلما كانت حياتك الشخصية خالية من الإنجازات كلما التفتت لفروعك وخاصة أولادك عشان تحط عليهم أملك وتدفعهم هم بدالك إلى ميادين المنافسة.

وبدأ الضغط المتزايد من الأمهات على أولادهم واللي بتبان أماراته على شكل صرخات تخترق طبقة الأوزون من  الأمهات ليالي الامتحانات، والأدرينالين اللي بيحل محل ذرات الأكسجين في كل نادي أو لعبة رياضية بتتحولق فيها الأمهات عشان يشجعوا أولادهم بحماس منقطع النظير، سواء الأولاد بيخوضوا سباق أو مجرد تمرين. وبتنضم ليهم ظاهرة  أتى لنا بها رمضان مؤخرا وهي السباقات الهستيرية اللي حاصلة بين الأمهات والخاصة بصيام أبنائهم.

فالمتابع لمواقع التواصل الاجتماعي مؤخرا يقدر يرصد بسهولة بوست بعد بوست بتسأل فيه أمهات أقرانهم عن طريقة يشجعوا بيها أولادهم على الصيام. وهو سؤال مهم ومشروع إلا أن تفاصيل السؤال دوما بتكون صادمة، فالسؤال بيكون في الغالب متعلق بإن الأم عايزة أولادها يصوموا يوم كامل على الرغم من كون الأطفال أعمارهم لا تتعدى 6 و 5 و أحيانا 4 سنوات.

وبيكون المبرر دايما وإنها عايزة تعودهم على الصيام وبتقول إحداهن ضاحكة إنها قعدت مدة تفهم أولادها معنى كلمة "يتعودوا". فولادها اللي لسه ما بيعرفوش يتكلموا المفروض يطاوعوها ويصوموا صيام كامل، واللي بيحاول يكلمها وينصحها بتعتبره كافر وزنديق، أو حشري بيتحشر بينها وبين أولادها اللي هي عارفة مصلحتهم كويس.

وهكذا تدفع هيستيريا التنافس بعض الأمهات ليصابوا بهيستيريا الصيام، فيحرموا أولادهم من غذاء ضروري ومياه في أيام حارة وبيجبروهم يقوموا بعبادة غير مفروضة عليهم إلا بعد البلوغ اللي بيفصلهم عنه مش أقل من 5 سنوات تحت دعوى إنهم بيتدربوا. فقط من أجل التفاخر، فقط من أجل التباهي، فقط من أجل المنافسة التي سادت عقول الجميع حتى كادت أن تأكل القطة أولادها.

غادة عبد العال

مدونة وكاتبة مصرية ساخرة تمارس مهنة الصيدلة. بدأت مدونتها "عايزة اتجوز" عام 2006 قبل أن تنشر في كتاب عام 2009 تُرجم إلى لغات عدة عالمية منها الفرنسية وعرض في مسلسل حصل على الجائزة الفضية في مهرجان الإعلام العربي وحصلت عنه عبد العال على جائزة أحسن سيناريو. تكتب منذ 2009 مقالاً ثابتاً في الصحافة المصرية.

فيس بوك اضغط هنا

الصفحة غير متوفرة

المحتوى الذي تريدون تصفحه لم يعد في الخدمة أو غير متوفر حاليا.