تخطي إلى المحتوى الرئيسي
مدونة اليوم

غادة عبد العال: "هل ضربت زوجتك بالمسواك اليوم؟ "

سمعي
مونت كارلو الدولية

أحيانا باحس إننا أمة محاصرة في ركن من أركان حلبة ملاكمة, بين تراث قديم بنعتز بيه و بنحاول نعيد ما نظنها أمجاده, وبين زمن عدى على هذا التراث فحوله لشيء غير متقبل وغير معقول, لكن لأن التراث بتاعنا ده أحيانا بيكون حواليه هالة دينية, فكتير مننا لا يرى أن تستقيم الحياة إلا بيه حتى لو تعارض مع العقل والمنطق والإنسانية بل ومع الحياة بذات نفسها.

إعلان

من التراث ذات الصبغة الدينية مثلا مسألة تعامل الزوج مع الزوجة اللي بيطلق عليها ناشز واللي من المفترض إن طريقته تتدرج من النصح للهجر وحتى الضرب كوسيلة لتأديب الزوجة وردها إلى جنة الحياة الزوجية السعيدة.

هذا الأسبوع خرج علينا شيخ الأزهر في برنامجه التليفزيوني الرمضاني بإعادة لتفسير آية الضرب ومحاولة لوضعها في إطار الزمن الحالي. فقال إنه ضرب خفيف كأن يضرب الزوج زوجته بالمسواك أو بفرشاة الأسنان، وإن الهدف الأساسي هو مش أبدا تعنيفها ولا أذيتها وإنما جرح كرامتها لعلها ترتدع.

محاولة في رأيي من شيخ الأزهر سبقه إليها كتير من الشيوخ للفلفصة من الطابع غير الإنساني لمفهوم الضرب بوضع معايير له، زي إنه مثلا ما يبقاش ضرب ع الوجه, وما يبقاش بشدة تنتزع المرأة من مكانها, ويكون بإيد مفتوحة مش مقفولة (يعني ما يديهاش بوكس لكن ممكن يلطشها بالقلم)، لكن في كل الأحوال باحسها محاولات بائسة لإيجاد مخرج لائق للتعارض الصارخ بين النص والزمن.

في 2019 وبينما دول تانية بتبحث عن الحياة فوق كواكب بعيدة، إحنا بنتناقش إمتى من حق الرجل إنه يضرب زوجته ولو ضربها يضربها بكف مفتوح والا مقفول؟

في القرن الواحد والعشرين بينما العالم بيحط للي بيضرب حيوان خلف الأسوار، إحنا بنتجادل في نوع الأداة اللي الرجل ممكن يستخدمها عشان يضرب بيها زوجته وهل هي المسواك والا فرشاة الأسنان؟

في عصر المطالبة بحقوق الأقليات العرقية والدينية والجنسية ما زال معظمنا هنا مؤمنين إن الرجل من حقه تأديب المرأة بضربها وجرح كرامتها, وإن هو ده اللي هيردها لحياتها الزوجية ردا جميلا.

إحنا وبعد 1400 سنة من ظهور الإسلام، ما زلنا شايفين إن جوهر الدين هو الاتباع بدون عقل، بدون تفكير، بدون مواءمات بيفرضها اختلاف الزمان والخلفيات الاجتماعية والتطور البشري.  

متهيأ لي حان الوقت إن يكون فيه مطالبات مباشرة بإعادة تفسير كتير من تراثنا الديني بما يتوافق مع العالم اللي احنا عايشين فيه حاليا. ولازم يكون فيه حرص واضح من رجال الدين على إرساء قاعدة بتقول إن الأحكام الدينية فيه منها كتير بيتسم بالمرونة ويمكن تغييرها بتغير الظرف والزمن.

وإذا سألك حد: طب نودي الآيات القرآنية اللي بتتكلم عن ضرب الزوجة دي فين؟  قوله: عارف المكان اللي وديت فيه آيات الرق والعبيد وملك اليمين؟ إبقى وديها معاهم هناك.

ولكل المتشددين يا ريت تفكروا إن التصادم المستمر بين التراث الديني  والمنطق والحقوق والإنسانية مش هيؤدي بالناس في النهاية للنفورمن المنطق ولا الحقوق ولا الإنسانية, أظن مفهوم التصادم ده لو استمر هيؤدي للنفور من إيه.

غادة عبد العال

مدونة وكاتبة مصرية ساخرة تمارس مهنة الصيدلة. بدأت مدونتها "عايزة اتجوز" عام 2006 قبل أن تنشر في كتاب عام 2009 تُرجم إلى لغات عدة عالمية منها الفرنسية وعرض في مسلسل حصل على الجائزة الفضية في مهرجان الإعلام العربي وحصلت عنه عبد العال على جائزة أحسن سيناريو. تكتب منذ 2009 مقالاً ثابتاً في الصحافة المصرية.

فيس بوك اضغط هنا

selfpromo.newsletter.titleselfpromo.newsletter.text

الصفحة غير متوفرة

المحتوى الذي تريدون تصفحه لم يعد في الخدمة أو غير متوفر حاليا.