تخطي إلى المحتوى الرئيسي
مدونة اليوم

جمانة حداد: "في القوقعة"

سمعي
مونت كارلو الدولية

هل صحيح أن الثورة التكنولوجية الحديثة جعلت الإنسان يزداد انغلاقاً على نفسه، ويعيش في كون خاص به، في حين أن هذه الثورة قامت، يا للمفارقة! على أساس تقويض الانغلاقات والتقسيمات التي تُبعد الدول والبشر بعضهم عن البعض الآخر، وتحويل العالم قرية كونية متكاملة، مفتوحة اجزاؤها، مشرّعة عوالمها على الجهات كلها؟

إعلان

هذه حقيقة لا جدال فيها. عالم الانترنت، حوّل الغرفة المغلقة التي يحيا فيها الشاب أو الشابة، كوناً بكل ما في الكلمة من معنى. طبعاً هو كون، لكنه أيضا كون مفتعل الى حد ما. الصورة إذاً ترتسم على الوجه الآتي: هناك شخص معزول في غرفته ذات الأمتار القليلة المربعة، لكنه متحرر في الوقت نفسه من حدود غرفته الضيقة، وموصول بالكون كله. لكنه أيضا يعيش وهم أن هذا الكون الافتراضي هو الواقع.

ما النتيجة المترتبة على هذا التناقض الظاهري؟ المزيد من القدرة الافتراضية على كسر الحدود وتحطيمها وتقريب المسافات والأشخاص والعلوم والدول والحضارات، ولكن ايضا وبالقدر نفسه المزيد من العزلة الواقعية، التي تجعل الشخص المعني يعيش انفصاماً جوهرياً بين الحقيقة الواقعية والحقيقة الافتراضية.

من يفوز في هذا الانفصام، ومن يخسر؟

أنا شخصيا، أشعر بالامتلاء والاغتناء والحرية والرحابة والتنوع من جراء هذه الإقامة التي ظاهرها غرفة ضيقة وباطنها عالم لا حدود له، لكني في الآن نفسه أشعر بالحاجة الى العالم الواقعي، بل أشعر بالنقصان عندما انفصل عنه الكترونيا.

في خضمّ هذه الإشكالية الجوهرية، لا يستطيع المرء أن يجد حلولاً ا تعميمية، يرغم الآخرين على اعتبارها صالحة للجميع. فهذه مسألة فردية يجيب عنها كل فرد بنفسه، بحسب أحوال نفسه وتجاربه.

المسألة محض شخصية. فليجرِّب كلٌّ حظوظه في الواقع والافتراض، وليعلمنا بالنتيجة!

جمانة حداد

شاعرة وكاتبة وصحافية لبنانية، مسؤولة عن الصفحة الثقافية في جريدة "النهار" في بيروت. أستاذة في الجامعة اللبنانية - الأميركية وناشطة في مجال حقوق المرأة. أسست مجلة "جسد" الثقافية المتخصصة في آداب الجسد وعلومه وفنونه. أصدرت عشرات الكتب في الشعر والنثر والترجمة وأدب الأطفال لاقت صدى نقدياً واسعاً في لبنان والعالم العربي وتُرجم معظمها إلى لغات أجنبية. نالت جوائز عربية وعالمية عديدة. من آخر إصداراتها "هكذا قتلتُ شهرزاد" و"سوبرمان عربي".

فيس بوك اضغط هنا

هذه الصفحة غير متوفرة

يبدو أن خطأ قد وقع من قبلنا يمنع الوصول إلى الصفحة. نعمل على حل هذه المشكلة في أقرب وقت ممكن