ثقافات

"عيون ريتا المذهلة" تحية أنور براهم الموسيقية إلى محمود درويش

سمعي

تيمنا بقصيدة "ريتا والبندقية" وتحية لذكرى الشاعر الراحل محمود درويش هي أسطوانة الموسيقي والعازف التونسي العالمي أنور براهم الأخيرة التي تحمل عنوان « The astounding eyes of Rita».

إعلان

يجول أنور براهم العالم منذ سنتين بأسطوانة "عيون ريتا المذهلة"  متوقفا في محطة باريسية في الرابع والعشرين من أكتوبر الماضي في مسرح المدينة في باريس مع فريقه الجديد المكون من :
Klaus Gesing، على الكلارينيت
Bjorn Meyer، على الغيتار
خالد ياسين، على الإيقاع.
أنور براهم ، عازف العود الذي حمل جمهوره الباريسي مرة أخرى إلى التأمل والصفاء والتمازج من خلال رؤية أفقية للموسيقى والطرب، التقيت به في صباح اليوم التالي من حفلته الباريسية:
 
أنور براهم، في البداية كيف يكون الفنان بعد الحفلة الموسيقية، في صباح اليوم التالي؟ كيف هو مزاجك؟
 
- مزاجي حلو لأن القاعة كانت مليئة والجمهور غفير وإحساسنا على "الركح" أن الجمهور كان فرحاً وراضياً، يعني كان هناك طاقة جميلة شعرنا بها. فبصفة عامة لا نتمكن من تكوين انطباعات عن حقيقة ما يحدث بسبب الخوف والرهبة.
 
حدثني عن مشروع الاسطوانة، لماذا التحية لمحمود درويش؟ هل عرفته أنت شخصياً؟ هل قرأته؟ ماذا يمثل لك؟
 
- قرأته بالطبع وأحب شعره كثيراً. لقد عرفته في تونس، قابلته في مناسبة وكنا نحترم بعضنا البعض لكن لم تكن تجمعنا علاقة شخصية ولكني احترمه كشاعر عربي وكمثقف فلسطيني وعندما كنت أجهز نفسي لتسجيل الاسطوانة سمعت عن وفاته في أغسطس 2008 وتألمت كثيراً لعدة أسباب منها أنني أحترمه كمثقف وشاعر عربي وأيضاً لمواقفه كفلسطيني فقد كان محمود درويش صوتاً مسموعاً للفلسطينيين عالمياً. الفلسطينيون فقدوه حقاً. ففكرت أن أهديه الاسطوانة.
 
ومن الناحية الفنية، أنا كموسيقي لا أفكر في الآلات قبل التلحين بل أبدأ بتلحين القطع الموسيقية ومن خلال ما يأتي أبدأ شيئاً فشيئاً بالتفكير في الآلات وبالنسبة لهذا المشروع فقد أخذ مني اختيار الموسيقيين وقتاً كبيراً لأنني شعرت في القطع الأولى التي لحنتها من المشروع بوجود روح طرب شرقي وقلت ربما يقتضي ذلك مشاركة موسيقيين عرب أكثر من الغربيين وموسيقيي الجاز. وأخيراً وصلت لهذه المجموعة بعد سنتين من التفكير والتردد. وأعتقد أن هذه التركيبة هي الأفضل للموسيقى التي لحنتها.
 
هل فكرت بالآلات قبل التفكير بالأشخاص؟ خاصةً وأن المشروع كان مبنياً على آلات الكلارينيت والغيتار باس والإيقاعات قبل الأشخاص.
 
- بالطبع بعد تلحين القطع أفكر بالآلات ثم يأتي الأشخاص لأن الآلة تعطيك لونا وصوتا لكن الشخص هو من يؤدي ويجب أن يكون مستوعباً للموسيقى ويكون إحساسه قريباً منها وهؤلاء لم أكن أعرفهم ، هم يتعاملون مع شركة الاسطوانات التي أتعامل معها وقمنا ببعض التدريبات معاً وكنت سعيداً.
 
 
هل قدمت هذه الاسطوانة أو هذا المشروع في الأراضي الفلسطينية ؟
 
- مع الأسف لا. لقد قمت ببعض العروض في الأراضي الفلسطينية حيث ذهبت مرتين مرة إلى رام الله ومرة إلى القدس الفلسطينية. ولكن لم استطع تقديم عروض أخرى لعدة أسباب، أولها أن المرور على الجسر من خلال تأشيرة فلسطينية من الأردن هو أمر صعبٌ جداً. وثانياً نحن معنا عازف لبناني واللبنانيون ممنوعون من دخول الأراضي المحتلة وأنا أرفض الذهاب إلى فلسطين عن مطار تل أبيب وأخذ التأشيرة هناك. لكني أحب الذهاب إلى فلسطين وأعلم بوجود جدل في البلدان العربية: هل نذهب ونعزف في فلسطين؟ وهناك بلدان تمنع مواطنيها من الذهاب. لولا كل ذلك لكنت ذهب وعزفت في فلسطين لأني أكيد من أهمية وجود اتصال مع الفلسطينيين في الأراضي المحتلة.
 
أنت اسم معروف في المشرق العربي والمغرب العربي وفي العالم وطبعاً الأساس كان في تونس تتلمذت على يد علي السريتي واشتغلت على الموسيقى العربية الأصيلة وتأصلت في هذه الجذور ولديك نزعة الذهاب إلى آفاق أخرى. كيف ترى هذه الموسيقى؟ هل هذا هو خطك؟ هل هذه هي هويتك الموسيقية؟
 
هذه هي هوية الموسيقى وموسيقى العالم كله. فإذا نظرت إلى تاريخ الآلات وتجوالها تجدين شيئاً رائعاً. مثلاً آلة الكمان اليوم، لا يوجد من يفكر أو يتذكر أنها آلة غربية بل أصبحت آلة غربية وهذا هو حال الكثير من الآلات. والعكس صحيح، فالعود موجود في الموسيقى الغربية وتجول كثيراً هو الآخر.
صحيح أنني عندما كنت صغيراً، كان اهتمامي منصباً على الموسيقى العتيقة أو القديمة يعني الموشحات والأدوار ولحسن الحظ عرفت عازف عود بمكانة علي السريتي الذي تتلمذت على يديه وارتويت بهذا النوع من الموسيقى. ولكن كان لدي تساؤلات كبيرة فيما يخص الحداثة في الموسيقى العربية و في الثقافة العربية، لأنني كنت أعتبر أن لدينا ثراء كبير في ثقافتنا وفي موسيقانا. لكن ربما الموسيقى العربية في وقتٍ ما كانت تمر بركودٍ نسبي بعد شبه النهضة التي عاشتها في المشرق، في لبنان ومصر وسوريا، وتفتح موسيقيي ذاك العصر. أما بعد الستينيات والسبعينيات ومع نزعة الموسيقى الخفيفة والأغنية الخفيفة التي كانت مهيمنة، كنت أتألم لحال الموسيقى وربما هذا ما جعلني أغامر وأحاول إيجاد طرق للمساهمة فيما يسمى بالموسيقى العربية الحديثة.
 
نستطيع أن نقول إنك حررت العود من النص ولكن نلاحظ في بعض المقطوعات الموسيقية أنك تدندن وتغني نوعاً ما! ليس هذا نص ولكن مرافقة كأن هناك آلة أو آلية ما؟!
 
- نعم صحيح، يعني كما تقولين أنتِ "تدندن". نعم قليلاً، فأنا أستخدم صوتي نوعاً ما كآلة ولكن ليس بصفة واضحة.
 
أنت غنيت في السابق
 
- أنا لست مغنيا ولكني غنيت. غنيت تلاحيني مرة أو اثنتين في مناسبة ما ولكن لا أعتبر نفسي مغنيا.
 
ألفت للسينما الموسيقى لبعض الأفلام مثل صمت القصور وحلفاوين وبزنس. أيضاً، في عام 2006 حملت الكاميرا ووقفت وراءها وصورت فيلماً توثيقياً عن كلمات الحرب في لبنان. ماذا تعني لك الصورة؟
 
- أنا مهتم كثيراً بالسينما وعندما كنت في تونس في السبعينيات كنت أذهب كثيراً إلى السينما لمشاهدة أفلام برغمان وفيلليني وبازوليني. ثم أقمت أول الثمانينات في باريس لمدة أربع أو خمس سنوات وكنت أتردد على قاعات العروض السينمائية أكثر من قاعات العروض الموسيقية وهذا ما جعلني مهتماً بالسينما أكثر من اهتمامي بموسيقى الأفلام (ضاحكاً). حبي للسينما جعلني أتقرب من المخرجين والسينمائيين وربما هذا ما جعلهم يتجهون إلى لتلحين موسيقى أفلامهم.
 
وصحيح أنني في عام 2006 بعد الحرب التي شنتها إسرائيل على لبنان كنت أتألم كثيراً وتأزمت لأن لدي علاقة خاصة بلبنان واللبنانيين خاصةً وقد عرفت لبنان بعد الحرب الأهلية عندما زرته عام 1994 وأقمت حفلاً في بيروت التي كانت مهدّمة وبتُّ أشعر بآلام اللبنانيين التي عاشوها بعد الحرب. فرغبت بعمل شيء وهذا ما جعلني أذهب إلى بيروت لعمل مقابلات مع المثقفين والفنانين اللبنانيين وتبلور ذلك في صيغة فيلم.
 
اليوم العالم العربي في حراك، من تونس، من ثورة الياسمين في تونس إلى ياسمين في دمشق. وتونس عاشت انتخابات في الأيام الأخيرة والنتيجة كانت متوقعة. أنت كفنان وكإنسان كيف عشت هذا الحراك، الثورة التونسية وكل ما يجري في العالم العربي؟
 
- عشته كحدث هام جداً لأنني في تونس كنت متألماً من الوضع تحت نظام بن علي وكنت متشائماً وما حدث في 14 يناير أعطاني تفاؤلاً كبيراً ومازلت متفائلاً رغم الصعوبات. وأعتقد رغم الصعوبات ورغم الأخطاء، ربما الطريقة التي انتهجتها تونس لم تكن سيئة. فقد وصلنا لحسن الحظ، ووصلنا إلى الانتخابات ومن حسن حظي أنني استطعت الانتخاب قبل الحفل، فالعرض كان البارحة في THEATRE DE LA VILLE وأنا انتخبت ثم صعدت إلى الطائرة. فهي أول مرة انتخب فيها في حياتي كلها وهو حال جل التونسيين. وكان ذلك حدثا تأسيسيا لتونس كبلد جديد ولحسن الحظ المشاركة كانت كبيرة رغم تخوفنا نظراً لتعدد الأحزاب والضبابية الموجودة على الساحة السياسية التونسية، فقد كنا نخشى ألاّ يعرف الناس لمن يصوتون لاسيما وأن الأحزاب لم تكن هي من كان وراء الثورة فاعتبرهم الناس انتهازيين وكان هناك تخوف وترقب. ومن حسن الحظ الناس صوتوا من جميع الفئات ولكن مهما كانت الصفة ومهما كانت النتيجة مازلت متفائلاً جداً لأن أياً من الأحزاب لن يكون لديه الأغلبية الساحقة وهذه مرحلة من المراحل، مرحلة تأسيسية قبل توقيع الدستور وأتمنى أن يتواصل ذلك.
لكن الوضع في ليبيا وسوريا ربما يكون أصعب. فنحن في تونس لدينا تساؤلات والتساؤلات أكثر في سوريا وليبيا وتبقى مرحلة لابد من المرور بها فقد اتضح أن الدكتاتورية ليست الحل بل قد تدعم الدكتاتورية التطرف والجهل. وأتمنى أن تتحمل الشعوب العربية المسئولية. وأنا متألم كثيراً بالطبع بسبب ما يعيشه الشعبان السوري واليمني لكننا دخلنا في مرحلة جديدة
 
أنور براهم، في كل اسطوانة نسافر معك، هناك أجواء خاصة لكل اسطوانة وهناك أمكنة للاسطوانات وهناك حضور لأجواء متنوعة شرقية وغربية. إلى أين ستأخذنا في مشاريعك المستقبلية؟
- أنا نفسي لا أستطيع إخبارك إلى أين سآخذك لأنني دائماً لا أملك فكرة مبيتة أو مبرمجة فما هم مهم جداً بالنسبة لي عندما أعمل على مشروع جديد هو أن أفاجئ نفسي ولا أستطيع ذلك إلا حين لا أكون على علمٍ بوجهة ذهابي. فالمشروع يتكون شيئاً فشيئاً يومياً وأحاول دائماً أن أترك لنفسي مطلق الحرية مع إمكانية تغيير رأيي أثناء العمل خاصةً في هذه المرحلة التي أعيشها فقد بدأت مشروعاً جديداً لكنني بدأت الكتابة الأولية ولا تسمح لي بعد هذه المقطوعات الصغيرة أن أرى التوجه الأساسي للمشروع الجديد.

 

الرسالة الإخباريةأبرز الأحداث الدولية صباح كل يوم