تخطي إلى المحتوى الرئيسي
بنات الأرض

المعارضة التركية بينار سيليك تناضل من أجل الاعتراف بمجزرة الأرمن

لقطة من فيديو لـ "أ ف ب" على اليوتيوب

في كتابها الجديد "لأنهم كانوا من الأرمن" الصادر في شباط ـ فبراير 2015، تعرض عالمة الاجتماع والمعارضة التركية بينار سيليك القضية التي تناضل من أجلها. بعد المسألة الكردية تتناول إنكار مجزرة الأرمن رافضة سياسة التلقين التي تتبعها الحكومة التركية. وقد استضافت قناة TV5MONDE بينار سيليك التي تعيش في فرنسا منذ عام 2013، للحديث عن كتابها المثير للجدل.

إعلان

بقلم هيلين فيفرييه

تناضل بينار سيليك على عديد الجبهات، من أجل حقوق المرأة وضد العسكرة ومع السلم. ففي التسعينيات قامت بأبحاث وتقارير حول الجنود الأكراد في تركيا مما عرّضها للتحقيق والسجن والملاحقات القضائية.

"الدولة العميقة" أي الدولة داخل الدولة ذات الممارسات الاستبدادية، جعلت من بينار سيليك "أمثولة" لكل من يرغب مثلها بوضع المسألة الكردية أو الأرمنية أو مسألة المثلية الجنسية على الساحة العامة. وكلها قضايا يعتبرها العسكر والقوميون الذين يشكلون الدولة العميقة، بمثابة إعلان حرب على الأمة التركية.

إلاَّ أن بينار سيليك لم تتراجع على الرغم من تعرضها للملاحقة القضائية والتعذيب وبعد مرور عشرين سنة، تواصل تجاوز الخطوط الحمراء وآخرها كان قضية مجزرة الأرمن التي تصادف مئويتها في هذا العام 2015.

"لأنهم كانوا من الأرمن" لبينار سيليك
"لأنهم كانوا من الأرمن" لبينار سيليك

تتناول بينار سيليك في كتابها الإنكار والتلقين العقائدي الذي تمارسه الدولة على المجتمع التركي منددة بالعسكرة والقمع العنيف وارتكاز الدولة على "عقائد غاية في القومية" في إنشاء الأجيال التركية لاسيما في ثمانينات وتسعينات القرن الماضي.
فقد روَّج الخطاب الرسمي في تلك الفترة لفكرة " كلما حدث نزاع وراءه الأرمن"، جاعلا من الأرمن مصدر كل الاضطرابات السياسية. إنها عملية تعبئة تبدأ على مقاعد الدراسة: "حسب الكتب التي كان يجب أن نحفظها عن ظهر قلب، سطرا تلو الآخر، الشيطان الأرمني هو عدو تركيا الأبدي"، كما جاء في الصفحات الأولى من الكتاب.

صفحة تلو الأخرى، تكشف لنا بينار سيليك كيف قادها المطاف إلى الوعي بالقضية الأرمنية. في الواقع استطاعت التغلُّب على التعذيب الذي تعرَّضت له في السجن بفضل رسائل كانت تصلها من مجهول وعندما أُطلِق سراحها، اكتشفت أنه لم يكن إلاَّ رجل دين أرمني مسنّ قال لها في لقائهما الأول: "يجب ألا يروك معي وإلا ستتعرضين للخطر". مما أثار سخطها: "لفترة طويلة اعتُبِر الأرمن خونة وأعداء من داخل المجتمع، خاصة الذين نجوا من المجزرة".

 

 

 

جميعنا أرمن

ومما ساهم في تغيير نظرة بينار سيليك إلى حقيقة وضع الأرمن في تركيا، تذكر أيضاً لقاءها مع الصحفي التركي – الأرمني، هرانت دينك، الذي تمَّ اغتياله في عام 2004 " لأنه كان أرمنياً".
هرانت دينيك كان قد أسس الجريدة الأسبوعية "أغوس" التي تصدر باللغتين الأرمنية والتركية، كما كان مناضلاً من أجل السلام. لم يناضل هرانت من أجل القضية الأرمنية وحدها، وإنما من أجل الديمقراطية في تركيا عموماً. تتذكره بينار سيليك قائلة: على الرغم من القمع المنتشر في منتصف التسعينات، استطاع أن يخلق مساحة للنضال، كما أصبح مقر جريدة "أغوس" مكاناً للقاء". بفضله غيَّر الكثيرون موقفهم تجاه المسألة الأرمنية، بما فيهم الحركات اليسارية التي كانت بدورها تنكر حدوث المجزرة. وترى بينار سيليك أن مقتل هرانت دينيك، قد رسَّخ القناعة بصحة نضاله.

مؤخراً مع حادثة جريدة "شارلي إيبدو"، عادت بينار سيليك لتذكُّر مقتل صديقها، كما ذكرتها مظاهرات الاستنكار التي هزت المدن الفرنسية في شهر كانون الثاني ـ يناير 2015 بتلك التي حدثت بعد اغتيال هرانت سيليك: "نزل إلى الشارع ما بين 300.000 إلى 400.000 ألف شخص، راحوا يصيحون بصوت واحد: جميعنا أرمن ! كانت هذه المرة الأولى التي يخرج في الأتراك للتضامن مع الأرمن. هناك تشابه على مستوى ردة الفعل العامة مع ما جرى بعد حادثة "شارلي إيبدو"، وإن كنا نحن نسير احتجاجاً على الدولة".

بعد مقتل هرانت دينيك، نشأت أيضاً حركة جديدة حول جريدة "أغوس". لم تعد مسألة المجزرة قضية خاصة بالأقلية الأرمنية وحدها، بل أصبحت جزءاً من الشأن العام للكثير من الأتراك أيضاً. تقول بيلار سيليك: "في الماضي، لم يكن بإمكاننا استخدام كلمة "أرمني"، أما الآن فقد أصبحت الأمور أفضل بعض الشيء. في تركيا، هناك تغيير يأتي من القاع، من الحركات الاجتماعية التي بدأت تأثِّر في الحقل السياسي. الآن، أصبح بإمكاننا الحديث بالموضوع، وإن كنا قد دفعنا الثمن غالياً!".

تحيل مؤلفة الكتاب هذا التغيير إلى حركات النضال الاجتماعية، كالحركات النسوية، حركات الدفاع عن حقوق المثليين، حركات اليسار والبيئة وتلك المعادية للعسكرة... في الوقت الراهن، أصبح نضالهم مشتركاً. وإن بقي الطريق طويلاً، تبدو بينار سيليك متفائلة بما يحدث من تحولات. تقول: "خلقنا خطاباً جديداً، نفساً جديداً، خاصة بين أبناء جيلي". وهذا ما يحدث أيضاً من الجانب الأرمني، فالصحافية كارين كاراكشالي على سبيل المثال والتي تعمل في جريدة "أغوس"، أصبحت الناطق باسم لجنة دعم بينار سيليك في تركيا. وهذا رمز كبير لما يحدث من تحولات في التعاطي مع هذه القضايا الشائكة.

16 عاماً من المضايقات القضائية

في صيف 1998، تم إلقاء القبض على عالمة الاجتماع الشابة بينار سيليك وهي في السابعة والعشرين من عمرها، وذلك بسبب الأبحاث التي كانت تقوم بها حينها عن الحركة الكردية في تركيا. وعندما رفضت إفصاح هوية الناشطين الذين أجرت مقابلات معهم، قامت الشرطة بسجنها وبتعذيبها. مع ذلك، لم ترضخ بينار للضغط النفسي والجسدي الذي مارسوه عليها. بالتالي، ألحقت بها تهمة الانضمام إلى حزب العمل الكردستاني زوراً، وأنها كانت قد وضعت قنبلة في أحد أسواق اسطنبول، علماً بأن الشرطة التي كانت موجودة في موقع الحادث، تذكر أنه وقع بسبب تسرب للغاز.... لا يهم. ما يهم فعلاً، هو أن الدولة العميقة كانت قد قررت مصيرها.

بعد مضي عامين على اعتقالها، بدأت سلسلة المحاكمات القضائية. وثلاث مرات على التوالي قامت المحكمة الجنائية بالعفو عنها، إلا أن المحكمة العليا كانت تعود في كل مرة لتنقض الحكم تحت تأثير الدولة العميقة. في عام 2009، وجدَّت بينار سيليك نفسها مضطرة لمغادرة البلاد، ومع ذلك بقت صامدة. في 19 كانون الأول 2014، بعد مضي 16 عاماً على اعتقالها، اعترفت المحكمة أخيراً ببراءتها. إلاَّ أن بينار سيليك تبقى حذرة، فبعد يومين فقط على صدور الحكم بالبراءة، قام النائب العام بالطعن بهذا الحكم. وهكذا، تمَّ إرسال الملف مرة أخرى إلى المحكمة العليا التي ستحسم الأمر وتأخذ القرار النهائي.

مع ذلك، تصِّر المعارضة: "يجب أن نأخذ بعين الاعتبار أن الأمور معقدة (...)، وأن الأشياء ليست بيضاء أو سوداء بالمطلق. في هذه الدولة نفسها، هناك قضاة قاوموا الضغط الذي تمت ممارسته عليهم وأرادوا إطلاق سراحي. كما أن كتبي ليست ممنوعة في تركيا... لا أظن أن الدولة كلها ضدي".

 

 

هذه الصفحة غير متوفرة

يبدو أن خطأ قد وقع من قبلنا يمنع الوصول إلى الصفحة. نعمل على حل هذه المشكلة في أقرب وقت ممكن