بنات الأرض

في "أدغال" كاليه الفرنسية، مهاجرون في حالة سفر دائم

المصدر: رويترز

المهاجرون الذين وصلوا إلى "كاليه" بشمال فرنسا قبالة السواحل البريطانية محظوظون فعلى الأقل لم يكن مصيرهم الغرق على السواحل الإيطالية مثل أندادهم الألف الذين لقوا مصرعهم في 17 و19 أبريل 2015. لكن حالات ضياع أخرى تتخلّل رواياتهم في هذه اللقاءات:

إعلان

 

"وصلت إلى إنجلترا، أنا الآن في بيرمنجهام"، هذه الكلمات كتبتها على الفيسبوك " تسيدالكوك" في إحدى أمسيات مارس 2015 معتقدة أنها وصلت إلى نهاية المطاف. كانت هذه الشابة الممتلئة القوام وذات النظرة الضاحكة في السادسة عشرة عندما قرر خالها قبل عشرة أعوام إخراجها من إريتريا.

لم تختر "تسيدي" الطريق المعتاد للمهاجرين من القرن الإفريقي عبر السودان وليبيا حتى شواطئ البحر المتوسط، فهي انطلقت من "كسلا"، أقرب المدن السودانية إلى الحدود الإريترية، مدركة بسرعة أنه من الأفضل لها تفادي ليبيا حيث المهاجرون يلقون معاملة سيئة.

"فيري ماتسوين" هولندية عضوة في جمعية "Solid’R" التي تقدم العون للمهاجرين قدمت إلى "كاليه" في أكتوبر 2013 وفي نيتها الإقامة لبضعة أشهر فقط ، غير أنها عند استماعها المتكرر لشهادات مهاجرين أمثال "تسيدي" التي "نجحت" رغم كل معاناتها، خلصت إلى نتيجة حزينة: "كل اثنتين من ثلاث نساء تتعرض للاغتصاب في ليبيا، وقد ازداد الوضع سوءا منذ سقوط القذافي (في 2011).

"الأفضل لك أن تتخذي رفيقا حميما"

غادرت "تسيدالكوك" السودان جوا إلى لبنان بأوراق مزورة، وعملت لمدة عام لدى عائلة بيروتية وكانت تدّخر في كل شهر بعض المال، إلى أن سافرت بالطائرة إلى تركيا، ومن هناك أقلتها سفينة إلى اليونان.

وفي أثينا طاب مقام "تسيدالكوك" لدرجة أنها فكرت في الاستقرار فيها نهائيا، لكن الأزمة الاقتصادية التي عصفت باليونان في 2011 أجبرتها على المغادرة إلى فرنسا.

 

وفي كاليه استقرّت الشابة أولا في "الأدغال" (وهو الاسم الذي أطلق على الأماكن التي يقيم فيها المهاجرون) بمنطقة "تيوكسيد"، وقد قامت الشرطة في بداية أبريل بإخلائهم من معسكرهم فيها. وبعد إقامة ثمانية أشهر في "الأدغال" حصلت على مكان في "بيت النساء"، وهو مسكن من المباني المركبة يقع على الطريق المؤدي إلى "سانت أومير"، ويوفّر الملاذ لنحو خمسين امرأة وبعض الأطفال.

"إن كنت امرأة وتعيشين في "أدغال كاليه"، فالأفضل لك أن تتخذي رفيقا حميما"، تقول "فيري ماتوسين" المناضلة من أجل حق اللجوء، ما معناه ضمنا أن في "أدغال كاليه وحولها يكثر العنف الجنسي، وبعض النساء يفضّلن أن يحملن كي ينعمن بالطمأنينة. وتضيف قائلة: "بالنسبة للبنات الحمل يعني توفير الحماية لهن".

المال مقابل الحماية
في وسط غابة "تيوكسيد" ، وفي إحدى الأمسيات الباردة والماطرة من شهر يناير 2015 التقينا "ميرون" ذات الستة والعشرين عاما وهي لا تخفي تبرّمها من حالها: "خطر على المرأة أن تعيش هنا، لأن الرجال يُكثرون من شرب الكحول، فيصبحون عدوانيين".

 

استقرّت "ميرون" في "آيسبيرغ" التي تبعد عن كاليه 80 كيلومترا. في هذا المعسكر الوحيد الذي تؤمّن أكواخه الخشبية شيئا من وسائل الراحة، يوجد شرط واحد للسكن وهو سداد مبلغ 500 يورو مقابل حق الإقامة والحصول على الطعام ومحاولة العبور إلى إنجلترا.

"ميرون" التي ولدت في إريتريا، وعاشت في أديس أبابا بإثيوبيا تقول بلغة إنجليزية تكاد تبلغ حد الإتقان إنّ والدها جمع ثروة من عمله كميكانيكي: "لم يكن يعوزنا شيء", بعد عدّة سنوات انتقلت عائلتها لتقيم في جوبا بجنوب السودان، لكنّ العنف اليومي هناك اضطرّها وزوجها في آخر الأمر إلى محاولة البحث عن حياة أفضل في بريطانيا.

أريد أن يولد طفلي في إنجلترا

أما "سالي" التي يبلغ عمرها 28 عاما، فهي تعيش في "الأدغال" مع رجل تقدّمه إلى الناس على أنه زوجها. وبينما كانت تعد القهوة أثناء حديثنا، لم يكن الرجل يبتعد عنها ولذلك كانت تقلّل من الكلام.

وما إن ابتعد الرجال القلائل من حولها حتى قالت فجأة: "أنا حامل"، وكان يتنازعها الفرح باستقبال المولود وتربيته في إنجلترا والقلق من انعدام العناية الطبيه، أو مما هو أسوأ منه، إذ ربّما يمنعها حملها يوما من تسلق الشاحنة.
 

من الصعب أن نعرف ما إذا كانت سالي قد اختارت الحمل والاحتفاظ بالجنين. "فوستين" الموظفة في جمعية France Terre d’Asileالتي تقديم طلبات اللجوء، زارت "سالي" في ذلك اليوم ولم تتمكن من إقناعها بالذهاب إلى مركز الرعاية الصحية المجانية في مدينة كاليه.

فطريقة استقبال المستشفيات للمهاجرات الحوامل عادة ما تكون موضوعا للانتقادات. تقول فيري: "هناك سوء في استقبال البنات بمستشفى كاليه، فالأطباء يشعرونهن بالذنب، ولا يوجد فيها من يتحدث الإنجليزية".

ورغم ذلك وعدتها "سالي" بالذهاب للكشف الطبي، وحُدّد لها موعد برفقة "فوستين" في الساعة العاشرة من اليوم التالي.
وبين تحديد ساعة الموعد وحلولها تكون الشابة وزوجها قد أمضيا ليلتهما وهما يحاولان تسلق إحدى الشاحنات. دون جدوى...

ممّ يستمد حق اللجوء الأوربي اسمه؟

تمثّل النساء اليوم أكثر من نصف المهاجرين في العالم (51%) ، وتكون رحلات الهجرة محفوفة بالمخاطر والمضايقات، فلا يمرّ أسبوع إلاّ وتُكشف حالات تمييز هنا أو هناك ضدّ هؤلاء القادمين الجدد: فهنا عمدة إسباني يرفض تسجيل عائلات الغجر، وهناك عمدة في فرنسا يطلب ألاّ تنشر الملابس المغسولة وألا تنصب صحون استقبال التلفزيون عبر الأقمار الصناعية على الشرفات...).

لا يمرّ أسبوع إلا وتقع ضحايا لمآسي الغربة بين المجازفين الذين يجتازون البحار والقارّات. وهناك كثير من النساء وأطفالهنّ بين الغرقى، كما أسفر الحادث الذي أودّى مؤخرا بحياة أكثر من 700 شخص في 19 إبريل 2015.

خلال السنوات العشرين الأخيرة غرق قرابة 25 ألف مهاجر ومهاجرة وهم يحاولون عبور البحر المتوسط. فأوروبا يدخلها 3 ملايين من البشر كل عام ويغادرها مليونان منهم.
 

هذه الصفحة غير متوفرة

يبدو أن خطأ قد وقع من قبلنا يمنع الوصول إلى الصفحة. نعمل على حل هذه المشكلة في أقرب وقت ممكن